النصيحة لا الفضيحة

ذكرى حبيب ومنزل
1 اکتوبر, 2020
الله يجتبي إليه من يشاء
9 نومبر, 2020

النصيحة لا الفضيحة

أصبحنا اليوم لا نفرق بين النصيحة والتعيير، وجعلنا نسمي التوبيخ بل السبّ والشتم نصيحة نثاب على إسدائها، ونمدح على بذلها، ويُصفق لنا على التجرُّأ عليها، ونُعد من المتكلمين بكلمة حق عند سلطان جائر، فيظلنا الله يوم لا ظله إلا ظله رغم أن ذلك السلطان الذي نتناوله بالسب والشتم ليس له أي قيمة في بلادنا، وليس له أي نفوذ فيمن حولنا وفيما يتعلق بنا، ولا يستطيع ذلك أن يعاقبنا، ويجور علينا،أو يحكم علينا بما يشاء.

النصيحة -كما قال أحمد العلماء-: أمر إلهي وفضيلة أخلاقية، وواجب ديني، وضرورة اجتماعية، وهي أساس من أسس هذا الدين، ودعامة من دعائمه، وهي خلق من أخلاق الأنبياء والرسل، وهي سبب لحفظ الدين والثبات عليه، نمارس دون شك قدرًا منها في مجالسنا وهيئاتنا، ونكاد نسجل يوميًّا حضورها في علاقاتنا الإجتماعية والمهنية والتنظيمية.

وقد جمع الرسول صلى الله عليه وسلم الدين كله في النصيحة فقال "الدين النصيحة، قالها ثلاثًا، قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم”. فالنصيحة لله تكون بإخلاص العبودية له، والنصحية للرسول تكون بالطاعة له، والنصحية لكتابه تكون بالعمل به، والنصيحة لأئمة المسلمين تكون بإرشادهم إلى الحق وتوجيههم إلى الخير وإعانتهم عليه، وتمهيد الطريق لهم لإصلاح الأحوال وأعمال الخير، واستقرار الأمن، وكل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، والنصيحة لعامة المسلمين تكون بإصلاح أحوالهم وتعليمهم وتذكيرهم.

يرى كثير من الناس أن المقصود بالنصيحة أن نلقيها ونوجهها إلى من نريد أن ننصحه، وهذا خطأ، إنما المقصود بالنصيحة أن يحصل الانتفاع به، ولن يتم ذلك إلا بما وصف به نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، فقال الله عزوجل: ” فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولكط، وقال لموسى وهارون عليهما السلام لما أرسلهما إلى فرعون:” إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً لينًا لعله يتذكر أو يخشى”.

فتعلمنا هاتان الآيتان الكريمتان أسلوب النصح، وتدلان على أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالرفق واللين، هذا هو الأصل، وهذا هو المطلوب، ألم يقل نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم الذي بعث رحمة للعالمين "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه” ولكن نحتاج في بعض الأحيان إلى الشدة لأن الرفق لا ينفع ولا يجدي، لأن الطبائع تختلف، لكن اللجوء إلى الشدة لا يعني توجيه السباب والشتائم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر”.

وقد عرف الإمام ابن القيم رحمه الله النصيحة بأنها إحسان إلى المنصوح بصورة الرحمة له، والشفقة عليه، فليتطلف الناصح في بذلها غاية التلطُّف، ويتحمل أذى المنصوح ولائمته”. قال أحد العلماء: "إذا كان الإنسان ينصح أحدًا أمام الناس فهذا هو التعيير، وليست نصيحة وإنما فضيحة، وإذا كان ينصح بالسر والمقصود به إيصال الخير إلى المنصوح وإبعاد الشر عنه فهذه هي النصيحة”.

يقول الإمام الشافعي رحمه الله:

تعمدني بنصحك في انفرادي

وجنبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوع

من التوبيخ لا نرضى استماع

وإن خالفتني وعصيت قولي

فلا تجزع إذا لم تعط طاعة

ومن شروط نجاح الناصح :

1-أن تكون النصيحة بصدق وإخلاص .

2-أن تكون النصيحة بفقه وعلم .

3-أن تكون النصيحة بأدب وخلق.

4-أن تكون النصيحة برفق ولين.

5-أن تكون النصيحة بحنان وأمانة.

6-أن يكون الناصح قدوة فيما ينصح به، وهذا هو الشرط الأساسي لنجاح الناصح، قال الله عزوجل: ” أتامرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم”، وقال تعالى: ” كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون”.

 

(جعفر مسعود الحسني الندوي)