رمضان شهر الرحمة والمغفرة

أرض البشرية لفي حاجة إلى سمادها
13 أبريل, 2020
البلايا والمحن تزيدنا إيمانا ويقينا
28 يونيو, 2020

رمضان شهر الرحمة والمغفرة

قد حلَّ بنا شهر مبارك كضيف مبارك، شهر يمتاز عن الشهور الأخرى، إن الله تعالى خلق الأيام والشهور، واصطفى من بين الشهور شهر رمضان فاختصه بالكرامة، وأودع فيه من الخصائص ما لم يودعها سواه، وجعل فيه الرحمات والبركات، والمزايا والفضائل ما ليست في غيره، ألا وهو شهر رمضان، شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، شهر العتق من النيران، والغفران من الذنوب والآثام، شهر البر والإحسان، شهر تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق أبواب النار،وتصفد الشياطين، شهر تضاعف فيه الحسنات، وتمحى فيه العثرات، شهر تستجاب فيه الدعوات،وترفع فيه الدرجات، شهر يجود الله فيه سبحانه وتعالى على عباده بأنواع الكرامات، ويجزل فيه لأوليائه العطيات، شهر يجزى فيه من الله تعالى على صيامه مع اختصاصه له تعالى.

قال الله تعالى:” شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ”.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة،وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين”، وقال أيضا:”إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين، ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة”،وقال النبي صلى الله عليه وسلم : “من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه”. وقال في الحديث القدسي: “إن الله تعالي يقول: الصوم لي وأنا أجزي به”،وقال: “الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ إِلَى الصَّلَاةِ الَّتِي بَعْدَهَا، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا “، قَالَ: ” وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَالشَّهْرُ إِلَى الشَّهْرِ – يَعْنِي رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ – كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا “، قَالَ: ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ” إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ – قَالَ: فَعَرَفْتُ أَنَّ ذَلِكَ لِأَمْرٍ حَدَثَ -: إِلَّا مِنَ الْإِشْرَاكِ بِاللهِ، وَنَكْثِ الصَّفْقَةِ، وَتَرْكِ السُّنَّةِ ” قَالَ: ” أَمَّا نَكْثُ الصَّفْقَةِ: أَنْ تُبَايِعَ رَجُلًا ثُمَّ تُخَالِفَ إِلَيْهِ تُقَاتِلُهُ بِسَيْفِكَ، وَأَمَّا تَرْكُ السُّنَّةِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَّا الْإِشْرَاكُ بِاللهِ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا نَكْثُ الصَّفْقَةِ؟ قَالَ: ” فَأَنْ تُبَايِعَ رَجُلًا ثُمَّ تُخَالِفَ إِلَيْهِ تُقَاتِلَهُ بِسَيْفِكَ، وَأَمَّا تَرْكُ السُّنَّةِ فَالْخُرُوجُ مِنَ الْجَمَاعَةِ

وكان من أعماله صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر المبارك كما روت أم المومنين عائشة رضي الله عنها: “كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا دخل رمضان شد مئزره، ثم لم يأت فراشه حتى ينسلخ”،وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ فيعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه كان أجود بالخير من الريح المرسلة”.

يقول الإمام الشافعي: ” أحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة الناس فيه إلى مصالحهم وتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم”.

هذا الشهر المبارك الذي يزكي القلوب، ويطهر النفوس، ويكفر السيئات والمعاصي، ويقرب العبد إلى الله،ويسهل كل طرق الخير بتصفيد الشياطين، نعمة عظيمة من الله تبارك وتعالى، فعلينا اغتنام هذا الشهر العظيم وتعظيمه بأنواع العبادات والقربات،و بأنواع الخيرات، والإكثار فيه من الصلوات والصدقات،وقراءة القرآن الكريم، والإحسان إلى الفقراء والمساكين والأيتام، وبحفظ صيامهم عما حرمه الله عليهم من الأوزار والآثام، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”.

كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم والتابعون العظام يغتنمون هذه الفرصة.

كان الإمام مالك رحمه الله لا يتشاغل إلا بالقرآن الكريم، وكان يعتزل التدريس والفتيا والجلوس للناس، ويقول هذا شهر القرآن الكريم.

كان الزهري إذا دخل رمضان يقول: إنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام.

كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.

كان الأسود يختم القرآن في رمضان كل ليلتين، وكان قتادة إذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة.

وقال ربيع بن سليمان: كان محمد بن إدريس الشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمة ما منها شيئ إلا في صلاة.

هذا حال السلف مع القرآن في هذا الشهر المبارك.

وأما حالنا مع القرآن الكريم فيا للأسف.

أحوالنا مع القرآن في رمضان أحوال عجيبة، فمنا من لا يتلو القرآن في رمضان ولا في غير رمضان، ومنا من لا يتلو القرآن إلا في رمضان، لا تدبر فيه ولا عمل به،  ومع هذا لا صيام ولا قيام مع إحتساب الأجر من الله، فكيف نرجو النصر من الله، والنصر من الله يتحقق على نصرنا إياه، يقول الله تعالى: إن تنصروا الله ينصركم.

أولاً لابد لنا من الإهتمام بهذا الشهر المبارك والمبادرة إلى الخيرات فيه والعكوف على تلاوة القرآن الكريم مع التدبر ونية العمل به، وثانيًا الشكر لأن الشكر يزيد النعم، وكفران النعمة يسبب العقوبة، يقول الله تعالي لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد.

جعلنا الله تعالى وإياكم من العتقاء في هذا الشهر المبارك.

(جعفر مسعود الحسني الندوي)