… إلى السعادة الحقيقية

الثورات بين الحقيقة والتضليل
3 يونيو, 2019
الرائد تدخل في عامها الواحد والستين
22 يوليو, 2019

… إلى السعادة الحقيقية

ما هي السعادة؟ وما هي شروطها؟ هل ذقنا حلاوتها وشممنا رائحتها؟ وعرفنا قيمهتا وأهميهتا؟ وكيف السبيل إليها والحصول عليها؟ ومن هو أسعد الناس منا؟.

هي أسئلة لابدَّ أن يطرحها كل منا على نفسه؛ لأنه إذا وجه هذه الأسئلة إلى نفسه يبحث عن الإجابة الصحيحة عنها حتى يتلقاها، فيكون سعيداً.

سمعت أحد العلماء وهو يعرِّف بالسعادة في إحدى محاضراته  فقال: كل السعادة في الفترات الأربعة التالية: السعيد من لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت،وقد استدل في هذه المناسبة بهاتين الآيتين الكريمتين: الآية الأولى ” فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى “(طه: 123)   والآية الثانية: ” فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ “(البقرة:38).

وقد اختلف العلماء في التعريف بالسعادة، فذهب البعض إلى أن السعادة هي مجردة التوازن بين الجسد والروح، فعلينا أن نوازن بين حاجات الجسد من طعام وشراب،ولباس ومركب، وبيت ووظيفة وغيرها من الحاجات التي تعرض لكل إنسان في حياته ولا يمكنه أن يتنازل عنها، و نوازن بين حاجات الروح من نقاء وصفاء وزهد وقناعة وعبادة وعفاف وذكر وتسبيح وغيرها من الحاجات التي يفتقر إليها قلب كل رجل، ويتغذى بها ويتقوى، حتى نكون سعداء، بينما يرى الآخرون أن السعادة الحقيقية هي أن نسعد الآخر، فإذا أردنا أن نسعد فعلينا أن نسعد الآخر، حينما نفكر في تقديم خدمة أو تقديم معونة لإنسان أو ننوى إزالة همّ، أو تخفيف ألم وتنفيس كربة عن أحد من الناس مهما كان لونه وعرقه وجنسيته ومكانته وسلوكه وتصرفاته، حينما نريد أن نرسم بسمة على شفتي الطفل أو نقدم مساعدة إلى الأسرة البائسة، نشعر بالسعادة ونعد من السعداء.

يحكي رجل جرب هذه السعادة فقال: أعرف رجلاً فقيراً أصيب بنوبة قلبية واحتاج إلى عملية جراحية تكلف مآت الألوف، ولا يملك ذلك الرجل منها قرشا واحداً، زرته في البيت والكآبة مهيمنة عليه والوضع حزين، والأسرة في غمامة سوداء، والصمت رهيب يحوي البيت كله،  فأحضرت له طبيباً وأمرته بإجراء العملية الجراحية لذلك المصاب بمرض القلب على حسابي، فأجريت له العملية الجراحية وغادر المستشفى وعاد إلى البيت سالماً ومعافى، ثم زرته في البيت فرأيت الأطفال يكادون يرقصون فرحاً، فما شعرت بسعادة أكبر من هذه السعادة التي نلتها ذلك اليوم.

روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه كان معتكفًا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه رجل في حاجة، فقام معه وقال : سمعت صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم يقول : ” من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها، كان خيرًا من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يومًا ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق أبعد ما بين الخافقين.

هذا هو الإسلام، وهذه الوسطية المطلوبة، وهذا هو المنهج الصحيح الذي ينبغي أن نختاره، وهذا هو التوازن بين الجسد والروح الذي يتميز عن كل دين،فمن الخطأ أن نحصر الإسلام في طقوس وتقاليد، ونهمل هذا الجانب المهم الذي يجذب النفوس ويستهوي القلوب.

جعفر مسعود الحسني الندوي