الخطر الأكبر

الرائد تدخل عامها الرابع والستين من عمرها
17 جولائی, 2022
… إلى الحياة السعيدة
21 اگست, 2022

الخطر الأكبر

جعفر مسعود الحسني الندوي

تحدثنا كثيرًا عن جائحة كورونا التي أنست العالم كل جائحة سبقتها، لاجتياحها لأكثر بلدان العالم شرقًا وغربًا، إنها قد أغلقت المصانع، وعطلت المدارس، وأقفلت الشركات، وطردت كثيرًا من الموظفين والموظفات، وسببت للبطالة العامة التي دمرت الاقتصاد، وحالت دون التقدم والرقي والازدهار، وأوقفت عجلة التنمية بنشر الخوف والذعر في المجتمعات، فعكف العلماء والأطباء على تشخيص الداء وتحديد الدواء، وخصصت الحكومات ميزانية ضخمة لدراسة هذا المرض، واختراع الحقنة والجرعة لمنعه من الانتشار؛ لأنه كان يشكل خطرًا على الحياة الإنسانية.

ومما يبعث رجال الحكم على القلق، ويدعوهم للتفكير، هو أن هذا المرض لا يودي بحياة المسنين فحسب؛ وإنما أودى بحياة كثير من الشباب الذين تبني عليهم الدول أحلامها، وتعقد بهم الشعوب آمالها، وتتحول بهم الأرض اليابسة إلى روضة خضرة، تفوح منها رائحة زكية عطرة، فهذه الفئة من الشباب وحدها تقدر على تغيير المسار، ونمط الحياة، وتعبيد الطرق، وإزالة المعوقات، وتسهيل الصعاب، وتسلُّق الجبال، واختراق الحواجز، ومواجهة التحديات، وتحقيق الأهداف، والوصول إلى الغايات التي تتطلع إليها الشعوب والأمم، فمن المستحيل أن نستغني عنهم، ومن الخطر أن نهملهم ونتغافل عنهم، ونتركهم على ما كانوا عليه من الأمور التافهة التي تنزع منهم هذه القدرة التي تستطيع أن تضع من الفولاذ والحديد يدًا تمنح الأمان، وتحفظ من الفساد، وتصون المجتمع من الانهيار.

لكننا نرى اليوم ظاهرة أكبر خطرًا على الشباب وأكثر ضررًا للمجتمع من تلك الجائحة، أقامت الدنيا ولم تقعد، وشغلت العالم كله عن كل ما كان يقوم به ويسعى إليه، إن ازدياد الجرائم في مجتمعاتنا بشكل ملحوظ، وبطرق غير معهودة كالقتل والانتحار، والاغتصاب والاختطاف، والسرقة وممارسة العنف، ونهب الأموال والوقوع في الأعراض، والخديعة والخيانة، وغيرها من الأمور التي تشكل خطرًا على قدرات الشباب، وتصرفهم عن تحقيق ما عقد بهم من الآمال، لا يهتم بها أحد، ولا يبحث عن أسبابها الحقيقية وطرق معالجتها الناجعة والسيطرة عليها كليًا باتخاذ الإجراءات اللازمة لها.

لا يجوز لنا في مثل هذه الظروف التي تنتشر فيها الجرائم بهذا الشكل أن نعيش حياتنا،ونقبل على أمورنا، ونعتزل عن مجتمعنا، ولا نفكر إلا فيما يتعلق بنا، ونغمض أعيننا عن هذه الجرائم التي ترتكب في مجتمعاتنا بين أظهرنا على مرأى منا ومسمع.

ألسنا نركب سفينة واحدة تقل كل نوع من الناس، فيها الصلحاء والمشاغبون،فلو ترك الصلحاء المشاغبين يرتكبون ما يرتكبون، ويقعون فيما يقعون، يخشى أن تغرق السفينة بكل من فيها دون تمييز بين من كان له خطأ وبين من كانت له براءة، فلا ينبغي لأي عاقل يركب في تلك السفينة، أن يتبرأ بدعوى أنه حرّ، ولا تعود إليه مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإمساك بأيدي من يثير الضجة، ومنعهم من ارتكاب هذه الجرائم، فقد جاء في الحديث الشريف: عن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا”.