القوة التي انتصرنا بها على غيرنا من الأمم

البلايا والمحن تزيدنا إيمانا ويقينا
28 يونيو, 2020

القوة التي انتصرنا بها على غيرنا من الأمم

فقدنا اليوم كثيرًا من خصائصنا، وتخلينا عن كثير من مواصفاتنا، وسرنا على طريق من يعادينا ويخالفنا في العقيدة والعبادة والسلوك، ونسينا ما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم ودعانا إليه وأكد عليه، وقدم لنا نماذج تدهش العقول حتى مع ألد الأعداء الذين لا يستحقون منه إلا السيف والرمح، لكنه كان كما قال عنه أحد أصحابه: أوسع الناس خلقًا، فهذه هي الصفة التي فقدناها اليوم، وخسرنا بذلك تلك القوة التي انتصرنا بها على غيرنا من الأمم

إن الأخلاق الكريمة من المبادئ الأساسية التي بعث نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم لتعليمها للناس وتربية النفوس عليها، قال النبي صلى الله عليه وسلم:”بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، وقال وقد عده عملا ثقيلا في الميزان يوم القيامة: “ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذئ”. وقال في حديث آخر:”إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم”، وقال أيضًا:”إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا”، وقال أيضًا وقد ضمن لصاحب الخلق الكريمة ببيت في أعلى الجنة: “أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه”.

والأحاديث الشريفة المنقولة والآثار المروية الدالة على أهمية الأخلاق الكريمة كثيرة لا تحصى.

يقول المفكر الإسلامي محمد الغزالي رحمه الله في كتابه الشهير (خلق المسلم):

” لقد حدد رسول الإسلام الغاية الأولى من بعثته، والمنهاج المبين فى دعوته بقوله: “إنما بُعِثتُ لأتمم مكارم الأخلاق “. فكأن الرسالة التى خطت مجراها فى تاريخ الحياة، وبذل صاحبها جهدًا كبيرًا فى مد شعاعها وجمع الناس حولها، لا تنشد أكثر من تدعيم فضائلهم، وإنارة آفاق الكمال أمام أعينهم، حتى يسعوا إليها على بصيرة.. والعبادات التى شرعت فى الإسلام واعتبرت أركانًا فى الإيمان به ليست طقوسًا مبهمة من النوع الذى يربط الإنسان بالغيوب المجهولة، ويكلفه بأداء أعمال غامضة وحركات لا معنى لها، كلا فالفرائض التى ألزم الإسلام بها كل منتسب إليه، هى تمارين متكررة لتعويد المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة، وأن يظل مستمسكًا بهذه الأخلاق، مهما تغيرت أمامه الظروف.. إنها أشبه بالتمارين الرياضية التى يُقبل الإنسان عليها بشغف، ملتمسًا من المداومة عليها عافية البدن وسلامة الحياة. والقرآن الكريم والسنة المطهرة، يكشفان ـ بوضوح ـ عن هذه الحقائق. فالصلاة الواجبة عندما أمر الله بها أبان الحكمة من إقامتها، فقال: (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر). فالإبعاد عن الرذائل، والتطهير من سوء القول وسوء العمل، هو حقيقة الصلاة، وقد جاء فى حديث يرويه النبى عن ربه: (إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتى، ولم يستطل على خلقى، ولم يبت مصرا على معصيتى، وقطع النهار فى ذكرى، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة، ورحم المصاب، والزكاة المفروضة ليست ضريبة تؤخذ من الجيوب، بل هى – أولا – غرس لمشاعر الحنان والرأفة، وتوطيد لعلاقات التعارف والألفة بين شتى الطبقات. وقد نص القرآن على الغاية من إخراج الزكاة بقوله: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها). فتنظيف النفس من أدران النقص، والتسامى بالمجتمع إلى مستوى أنبل هو الحكمة الأولى. ومن أجل ذلك وسع النبى – صلى الله عليه وسلم – فى دلالة كلمة الصدقة التى ينبغى أن يبذلها المسلم فقال: “تبسمك فى وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل فى أرض الضلال لك صدقة، وإماطتك الأذى والشوك والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك فى دلو أخيك لك صدقة وبصرك للرجل الردىء البصر لك صدقة”.

وقد وضح صاحب الرسالة أن الإيمان القوى يلد الخلق القوى حتمًا، وأن انهيار الأخلاق مرده إلى ضعف الإيمان، أو فقدانه، بحسب تفاقم الشر أو تفاهته.. فالرجل الصفيق الوجه، المعوج السلوك الذى يقترف الرذائل غير آبه لأحد، يقول رسول الإسلام فى وصف حاله: “الحياء والإيمان قرناء جميعا فإذا رفع أحدهما رفع الآخر”!. والرجل الذى ينكب جيرانه ويرميهم بالسوء، يحكم الدين عليه حكما قاسيا، فيقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: “والله لا يؤمن، والله لا يؤمن والله لا يؤمن. قيل: من يا رسول الله؟ قال : الذى لا يأمن جاره بوائقه وفي حديث آخر إن رجلا قال له: يا رسول الله، إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذى جيرانها بلسانها. فقال: “هى فى النار”. ثم قال: يا رسول الله فلانة تذكر من قلة صلاتها وصيامها، وأنها تتصدق “بالأثوار من الأقط ” ـ بالقطع من العجين ـ ولا تؤذى جيرانها. قال: “هى فى الجنة”.

معظم العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه تقتضي جهدًا بدنيًا ومكافحة نفسية لتحصيل أجرها، فالصلاة والصيام والزكاة والحج عبادات جليلة لا تتحقق إلا لمن حمل همة عالية، وسلك مسلك الصبر في أدائها والقيام بها،فإن الإخلال ببعض أركانها وشرائطها قد يبطلها ويوجب قضاءها أو التفكير عنها، وإن التفريط في آدابها ومستحباتها يذهب بجمالها وكمالها،وأما حسن الخلق فأصله آداب وفضائل فطرية إيمانية تنعكس على عادات المرء وسلوكياته دون مكابدة كبيرة أو تكلف وعناء،إنهاعبادة صامتة، ومع ذلك فهي رفيعة في المنازل والمثوبات، ويرتقي أجرها إلى درجات الصائم والقائم كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ولكنا قصرنا في أمر الأخلاق تقصيرًا ظاهرًا، فنولي العبادات البدنية كالصلاة وغيرها أهمية كبيرة وعناية بالغة مكتفين بها دون الأخلاق الفاضلة،فنرى أناسًا مداومين على الصلاة في وقتها ومواظبين على غيرها من العبادات، ومتكاسلين في الجانب الخلقي متوانين،نشيطين في المسجد بين يدي ربهم خاشعين، فإذا خرجوه فسقوا وفجروا، ونراهم في المسجد يذكرون الله وفي المجتمع يتعاطون الرشوة ويقترفون الآثام، ويضعون عراقيل في سبيل جيرانهم وأقربيهم.

الحق أنهم لا يصلون ولا يذكرون الله،وإنما تصدر هذه الأعمال منهم رياء وسمعة، كيف والله يقول:”إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر”، فالواجب علينا أن نتحلى بالفضائل، ونحسِّن نفوسنا بالمكارم، ونثبت جذور الأخلاق في بواطننا، حتى يتم لنا إسلامنا، وتتحق فينا العبودية بمعناها.

(جعفر مسعود الحسني الندوي)