حاسب نفسك!

الله يجتبي إليه من يشاء
9 نومبر, 2020

حاسب نفسك!

ودَّعنا عامًا،واستقبلنا عامًا آخر،غابت عنا سنة، وطلعت علينا سنة أخرى، مدّ الله في أعمارنا، وأطال بقاءنا متمتعين بالصحة والعافية والسلامة،دون أن نستحق لها، ودون أن نؤدي لها حقّها، ودون أن نشكر الله عزوجل عليها، وعلى النعم التي أنعم الله بها علينا غيرها.

كلنا يتحدث في هذه الأيام عما فقده في السنة الماضية، يتحدث عما أصابته من النكبات، يتحدث عما عاناه من المشاكل، يتحدث عما واجهه من الأزمات، يتحدث عما تعرّض له من الحوادث والأخطار، يتحدث عما مرت به الأمة الإسلامية من أخطر مراحلها للمؤامرات والمخططات التي خططت لها، يتحدث عن البطالة التي عمَّت في العالم كله بسبب مرض فيروس كورونا الذي دمّر الاقتصاد، وأغلقت الشركات، وأقفلت المدارس والكليات، وعاد العاملون والموظفون الذين كانوا يتلقون رواتب عالية، جيوبهم خالية، وحساباتهم فارغة،رغم أن هناك مرضًا أكثر منه خطرًا كما أشار اليه أحد المفكرين والدعاة الإسلاميين، يقول: "وقد أصاب هذا المرض معظم الناس من كل طائفة، ومن كل ديانة، ومن كل مستوى، وهو الغرق في الجزئيات، والغفلة عن الساعة التي تعدّ من أخطر الساعات، وهي ساعة مغادرة الدنيا إلى الآخرة، ومغادرة البيت إلى القبر، ومغادرة الاختيار إلى ما لا اختيار له فيه”.

فكلنا يتحدث عن هذه الأمور التي تبعث فيه اليأس،ويفقده الأمل.

لكن الرجل الذي يؤمن بالله، ويؤمن بالآخرة،ويؤمن بأن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ويؤمن بأنه يفعل ما يشاء،ويؤمن بأنه يقدر علي كل شيء، ويؤمن بأنه يعز ويذل،ويؤمن بأنه هو الوحيد الذي يتصرف في هذا الكون، لا تسقط ورقة إلا بإذنه، ولا يتنفس أحد إلا بمشيئته ولا يتحقق أمر إلا بإرادته.

وهذا هو الرجل الذي لا يصيبه همّ، ولا يدبّ فيه يأس، ولا يتطرق إليه ريبة فيما يتعلق بالسنة المقبلة،يشعر بالسعادة والغبطة والسكينة في كل ما يواجهه من الشدائد والآلام، لا يشعر بالضيق مهما ضيّق عليه، لا يشعر بالحرمان مهما عانى من الحرمان،لا يشعر بالهمّ مهما أصابه من الهمّ، لأنه قد بشره القرآن الكريم بالحياة الطيبة التي يجري وراءها كل إنسان، ويحلم بها كل شخص، يقول الله عزوجل: ” مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ” (النحل:97) هذا الوعد الذي وعدنا به، هو فوق الزمان والمكان، وفوق الظروف والأوضاع،وفي كل بلد، متخلفًا كان أو متقدِّمًا، غنيًا كان أو فقيرًا، ولكل رجل وامرأة، ساكن ريف أو ساكن مدينة، موظف أو تاجر، بشرط أن يكون مستقيمًا، وعمله صالحًا، وحياته وفقا للشريعة.

بالمقابل آية أخرى،تقول ” وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ” (طه:124) والذكر له معاني مختلفة، الصلاة ذكر، والصيام ذكر،فمن لم يصل ولم يصم ولم يحج وهو يستطيع، ولم يؤد ما عليه من الفرائض والواجبات والحقوق،فهو ممن أعرض عن ذكر الله عزوجل، وزوال الكون أهون على الله من أن لا تتحقق هذه الآية الكريمة.

وفي جانب آخر وعدنا الله عزوجل بالحياة الطيبة السعيدة المباركة، فيها سكينة، وفيها طمأنينة، وفيها لذة، وفيها سرور وابتهاج، فهي تحتاج إلى العمل الصالح.

ألا نرى رجالاً وصلوا إلى قمة النجاح، ولا تكاد تصدق ما في حساباتهم من الأموال، وما يملكونه من العقارات والثروات، لكنهم ينتحرون رغم ثرواتهم الهائلة، ومناصبهم العالية، ألا تعرف من صمم الجسر الأول بين آسيا وأوربا في استنبول وهو أحد المهندسين الخمس في العالم، قد ألقى بنفسه من الجسرأثناء قصّ الشريط الحريري، وعثر في غرفته في الفندق على ورقة مكتوبة:” لقد ذقت كل شيء في الحياة؛ لكن لم أجد له طعمًا، فأردت أن أذوق طعم الموت”.

 

جعفر مسعود الحسني الندوي (رئيس التحرير)