لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ

الوحدة لا تتحقق إلا بالتضحية والإيثار
18 ديسمبر, 2018
أخونا الحبيب محمد واضح رشيد الحسني الندوي إلى رحمة الله تعالى
9 فبراير, 2019

لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد،وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

قال الله تعالى في كتابه المجيد: ” هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ” (الفتح:28) ودينُ الحق هذا دين خاتم أكمله الله تعالى وجعل شريعته شريعة جامعة كاملة جعل فيها هداية للإنسانية وصلاحاً ورشداً يليق بالمخلوق الإنساني أن يتحلى به كأفضل مخلوق على الأرض، وجعلها حلقة كحلقة أخيرة لحلقاتها المسلسلة السابقة منذ أن أسكن الله تعالى الإنسان على هذه الأرض، وقرر له أن يتبع أوامر ربه لأداء أعمال الحياة الرشيدة الصالحة، ويكون جزاؤها في الحياة الآخرة التي تأتي بعد هذه الحياة، واكتملت حلقات شريعته على رسوله محمد بن عبد الله النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وجعل الله تعالى حياة هذا النبي الخاتم حياة كاملة الأحوال وجامعة لها جمعاً مثالياً يحد فيها الإنسان المتبع لأمر الله تعالى نموذجاً للحياة الصالحة الراشدة، فقال: “لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا” [الأحزاب:21].

فإن الإسلام بصوره المختلفة وبجوانبه المتعددة يتمثل في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد جعل الله تعالى حياته أسوة ومثلاً للمؤمنين في أحوال حياتهم الفردية وشؤونها الاجتماعية، فكل مسلم مأمور بأن يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة يطبقها ويتبعها في حياته،وقال الله تعالى “إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ” [آل عمران:31].

وجعل الله تعالى بذلك أعظم نعمة للمؤمن أن يحبه الله تعالى وهو عبده وهو مخلوق أرضى يبلغ بذلك إلى أعالي السماء فهو يفوز في الآخرة وينال جنات النعيم، ولكن يحصل ذلك باتباعه للرسول صلى الله عليه وسلم، فيجب علينا جميعاً أن نسعى أولاً لمعرفة أحوال حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسلوكه البشري والديني.

وإن حياة الإنسان مشتملة على أحوال متنوعة دقيقة وجليلة، فلابد من أداء ما يجب من حياة الرسول العظيم خاتم النبيين، ومنها ما تتصل بالعبادة، ومنها ما تتصل بشؤون الأسرة، وعلاقات الصداقة، وبالأحوال الفردية والاجتماعية، وأحوال الرضا والغضب والعاطفة والحزن والسرور، فمجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم يحيط بكل ذلك.

أما ما صعب فهمه من هذه الأمور فنجد إيضاحه في حياة صحابته العظام رضي الله عنهم لكونهم متبعين لرسولهم الكريم بعد إيمانهم.

ولكون الإنسان يؤثر بسلوكه في الحياة على من يرافقه ويتبعه حباً وفداء عليه، يتأثر بما يراه ويفهمه من أحوال سلوكه وسيرة حياته، وقد وجدنا ذلك في حياة المؤمنين المتصلين برسول الله صلى الله عليه وسلم من صحابته، فقد أصبح بذلك صحابته رضي الله عنهم صورة متطابقة له صلى الله عليه وسلم، وانطبعت أخلاقهم وصفاتهم بما رأوه ووجدوه في سلوك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت حياتهم بلغت بذلك إلى حالة العشق الذي يتجاوز الإنسان به إلى غاية الحب، بتأثره بما يرى فيه من أحوال حياته، وكانت سيرة محبوبه تظهر في حب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد وصفه الصحابي الجليل سيدنا حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه بقوله:

وأحسن منك لم تر قط عيني

وأجمل منك لم تلد النساء

خلقت مبرأ من كل عيب

كأنك قد خلقت كما تشاء

فلم يكن قول سيدنا حسان بن ثابت فريداً في هذا القول، فكل صحابي في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد بلغ إلى هذه الدرجة من الحب، ولما بلغ في هذه الدرجة من الحب، أصبح ملتزماً ثابتاً يحبه ويتبعه اتباعاً قدر عليه وأمكن له، ويترسم خطاه من طبيعة الحال، وجاءت الأجيال الإسلامية بعد عهده الأول وهو عهد الصحابة، وتقرر له أن يتبع جيل العهد الأول، ذلك خط هذا الحب، وأصبحت سيرته أسوة قائمة إلى يوم القيامة لأن الله تعالى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فجعل طريقته وأسرته مقررة قائمة إلى يوم القيامة: ” الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ” (المائدة:3)

فإذا أردنا أن تتحسن حياة الأمة الإسلامية فعلينا أن نرجع باتباعنا إلى العهد الأول للإسلام، وأن نربي أنفسنا على اتباع أسوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فبذلك يحصل لنا ما ذكره الله تعالى أن نرجو الله تعالى واليوم الآخرة ونذكر الله تعالى كثيراً. والله ولي التوفيق.

محمد الرابع الحسني الندوي