خصائص المجتمع الإسلامي التي فقدناها

القوة التي انتصرنا بها على غيرنا من الأمم
30 جولائی, 2020
جزاء العمل
13 ستمبر, 2020

خصائص المجتمع الإسلامي التي فقدناها

نتحدث اليوم عن المجتمع الإسلامي وخصائصه ومميزاته التي ترفعه عن المجتمعات الأخرى التي شهدها العالم في أزمنة مختلفة ولا يزال يشهدها.

إن بلدان العالم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كانت تسودها أنواع من الفوضى والفساد والهمجية، ويغشى الأرض ظلام وسواد،لا يرى فيه نور ولا بياض، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب”. ولكن الله تعالى أراد أن يتيح فرصة ثانية لذلك المجتمع الذي كان على شفا جرف هار، فبعث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس يدعوهم إلى الله و يدعوهم إلى الخير، ويدعوهم إلى نشر الفضيلة، فرفضوا دعوته وأبوا أن يسمعوا ما يقوله، يقول الله تعالى: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ”، ولم ييأس النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقنط، لأن القنوط واليأس من الشيطان، يقول الله عزوجل:” وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ” (الحجر:56).

دعا النبي صلى الله عليه وسلم المشركين إلى عبادة الله وحده، صابرًا على المحن والبلايا،كان كالجبل الراسخ، وقد عرفوه بصدقه وأمانته وإيفاء عهده وصلة الرحم، فرغب بعض الناس في دعوته، وآمنوا به، ولكن الذين رفضوا دعوته وكذبوه وآذوه ووضعوا العراقيل في طريقه، كان عددهم أكبر بالنسبة لمن آمنوا به،واضطر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الهجرة إلى المدينة المنورة لما رأوا هذه العقبات التي تحول دون سبيله، ورحب به وبأصحابه سكان المدينة المنورة ترحيبًا حارًّا، وهنا قام النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المجتمع على القيم العالية والتوجيهات الربانية السماوية.

يرى أحد المفكرين الإسلاميين أن من خصائص المجتمع الإسلامي أنه مجتمع موحد، يعتقد كل من يعيش في هذا المجتمع أن الخالق والرازق والمدبر هو الله، فهو الذي يستحق للعبادة والخضوع والخشوع بين يديه، "ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ” (سورة الأنعام: 102) فليس أفراده من الذين تفرَّقُوا وضلُّوا عن ربهم الواحد، فاعتقد كلُّ فريق منهم أن له رباً له صفات معينة، فمنهم من يعبد الشجر والحجر، ومنهم من يعبد الشمس والقمر، ومنهم من يعبد الحيوانات والبقر، ومنهم من يعبد الحشرات والقذر! فما أعظم المجتمع المسلم حينما يتخذ منهجاً يرضى عنه به ربُّ السماء الذي خلق الشجر والحجر والشمس والقمر وكل موجود.

ومنها أنه مجتمع موحَّد ونعني بهذا أن المجتمع الإسلاميَّ تربطه رابطةٌ واحدةٌ هي رابطةُ الإسلام الحقِّ الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا الأساس يكون الترابطُ في المجتمع، وقد حذَّر الله من التفرق والتمزق داخل هذا الكيان الواحد، فقال تعالى: "وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ،مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ” (الروم:31-32) وأمر الجماعة المسلمة في المجتمع المسلم أن يعتصموا بحبل الله الذي هو القرآن والسنة وما فيهما من الأحكام والأوامر،”وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” وأمر أتباعه بأن لا يكونوا كالغنم في ليلة شاتية مطيرة.

ومنها أنه مجتمع متعاون: لم يعرف التاريخُ مجتمعاً مُتعاوناً مُتراحماً كالمجتمع الإسلاميِّ في عُصُورِهِ الزَّاهية، عصور الصحابة والتابعين، وتحقق هذا في عصور لاحقة في بعض بلدان الإسلام وإلى اليوم لا تزال كثير من المجتمعات الإسلامية -بحمد الله- ترحم الصغير، وتكفل المسكين واليتيم، وتقوم على أعمال البر والخير المختلفة، والمجتمع إذ يقوم على ذلك الأساس فإنما يعمل بتوجيه الله له، كما في قوله سبحانه:” وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” (المائدة:2).

ومن مظاهر هذا التعاون والتراحم: تقدير الكبار واحترامهم وإكرامهم، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن من لم يرحم الصغير ولم يحترم الكبير فهو شاذ عن هذا المجتمع، ويُعتبر عضواً فاسداً لا يصلح أن يعيش في هذا المجتمع المتراحم، فقال: ” ليسَ منَّا مَن لم يرحم صغيرنا ويوقِّر كبيرنا”.

ومنها أنه مجتمع عفيف طاهر، لم يتمرَّغ في أوحال الدنس والقذارة الأخلاقية، فالتلطخ بالفواحش والمفاخرة والمجاهرة بذلك ليست من سمات ذلك المجتمع، وقد جعل الله -تعالى- زواجر وروادع للحيلولة بين المجتمع وبين تلك الفواحش؛ ليبقى المجتمع عفيفاً نظيفاً من كل مظاهر الفاحشة وما يؤدي إليها.

ومنها إحترام الإنسان وتكريمه، يقول الله تعالى: ” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ” (الإسراء:70).

وهذه الخصائص تتولد في كل من يشعر بالمسئولية والحضور أمام الله، ويا للأسف أن هذه الخصائص والميزات اضمحلت على مرّ الزمان في المجتمع الإسلامي، ويرجع ذلك إلى أمور آتية:.

منها: إيثار الحياة الدنيوية على الحياة الآخروية وإيثار النفس على الآخر واتباع الهوى والعكوف على اللذات، يقول الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي وهو يؤكد على إنشاء هذا المجتمع الإسلامي المثالي النموذجي الذي شهده المسلمون في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين:  ” إن الحاجة الكبرى هي وجود مجتمع مثالي نموذجي يرضاه الله تبارك وتعالى، ويكون في صالح الإنسانية، ويكون نموذجًا بل مرآة للتعاليم الإسلامية في العقائد أولا ثم في الأخلاق والمعاملات وشعب الحياة، وهذا المجتمع مفقود لا أقول معدوم”. وأضاف يقول : "إنه لا يغير وضع العالم في هذا الوقت شيئ مثل ما يغير وجود هذا المجتمع المثالي الإسلامي”.

تشير سورة الحجرات إلى أسس بناء هذا المجتمع، وترشد إلى الطريق الذي نصل به إلى ذلك المجتمع الذي نحلم به ونتمنى أن نعيش فيه، يقول الله عزوجل: ” يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ”.

لا بد لنا من الاستنارة بهذه الآيات الكريمة حتى نعود إلى بناء ذواتنا ومجتمعاتنا على أساس الهدى الرباني، والسنن العادلة، والمثل الرفيعة.

(جعفر مسعود الحسني الندوي)