وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (القرآن الكريم)

الرائد تدخل في نهاية العقد السادس من عمرها
21 يوليو, 2017
الإرهاب باسم مكافحة الإرهاب
28 أغسطس, 2017

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (القرآن الكريم)

بسم الله الرحمن الرحيم

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (القرآن الكريم)

محمد الرابع الحسني الندوي

إن أرض جزيرة العرب تحتل لدى المؤمنين بالله وأتباع دينه أعزّ مكان وأكرمه من بين مواضع أخرى من الأرض، وذلك لكونها مشتملة على بقعة مقدسة في متوسطها، أكرمها الله وزاد منزلتها عنده، وهي بقعة تقع في الناحية الشرقية المتوسطة من الحجاز، أكرمها الله تعالى وخصّها بأن جعل فيها أول بيت لعبادته،فقد قال عز وجل عنه : “وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى” [البقرة:125]، وضع قواعده أول إنسان وهو نبيُّ الله سيدنا آدم أبو البشر في هذه الأرض، وصار مغموراً بمرور الزمن إلى أن بعث الله تعالى نبيه الآخر وهو سيدنا إبراهيم عليه السلام، وأمره الله تعالى برفع قواعد هذا البيت المقدس واتخاذه لأعظم عبادته إلى الأبد، فيحج إليه الناس من أطراف العالم ويقومون بتقديم أخلص عبوديتهم لربِّهم فيه، وقد قال الله تعالى عنه: “وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ” [البقرة:125].

ولأهمية هذا المكان المعظم الذي يوجد فيه هذا البيت المقدس، يحج إليه المؤمنون من أطراف العالم في أيام الحج، ويعدون الحضور إليه للعبادة فيه من أجلّ أعمال العبادة،ويعدون ذلك شرفاً لهم وعملاً جليلاً في حياتهم، أصبح بذلك هذا المكان والذي يتصل به من الأمكنة أعزّ مكان في العالم، ويتمنون الوفود إليه وزيارته، لكون هذا المكان الجليل مقدساً ومفدياً منهم، ولكونه مكاناً أعزه الله وشرفه تشريفاً.

أما بالنسبة إلى حالة هذه البقعة من الأرض من ناحية الخصوبة الأرضية؛ فإنها خالية منها،فكان هذا المكان مع شرفه وجلالة شأنه من الناحية الدينية، قليل البضاعة المادية في أراضيه، لم يكن يعطي من الحاصلات الأرضية والغذائية إلا قليلاً وبسيطاً جداً، فكان غير المسلمين في العالم لا يهتمون بشأنه ولا يرغبون في طلب الفائدة منه، فبقي محفوظاً سليماً من أطماع الناس المادية، ولكن الله تعالى هيأ له في الزمن الأخير ظهور ثروة معدنية كبيرة وبخاصة البترول، فأصبح مطموعاً من هذه الناحية لدى الطامعين غير المؤمنين بجلالة شأنه الدينية والقدسية.

وذلك في الوقت الذي كان سكانها يصبرون على قلة حاصلات الأرض، فكانوا يحتملون شدة الحياة الاقتصادية، ولما حصلت لهم موارد غنية رغبوا إلى الاستفادة بها، ولكنها كانت خامات، فلم يكونوا يستفيدون بها لقلة وسائل استنتاجها لديهم فاحتاجوا إلى استنتاجها وتطويرها بتعاون خبراء وأصحاب الوسائل الراقية الموجودة لدى غيرهم، وهم خبراء الدول الكبرى الغربية، فعقدوا مع شركاتها عقوداً بناء على المشاركة،وبذلك مكَّنوا هذه الشركات الغربية من موارد بلادهم، وحصل بذلك اختلاطهم بخبرائها وأصحاب الاختصاصات المختلفة، وبدأوا يستفيدون من خبراتهم، ومن المعاهد التعليمية لديهم، واستمر ذلك إلى أن تمكَّن خبراء الدول الغربية من أصحاب العلم والسياسة من السيطرة الخفية على أذهان شباب هذه البلاد الناهضين، وأصبح تأثُّرهم أقوى وأكثر وبخاصة في المجالات السياسية والحكومية، فأصبحت هذه البلدان الإسلامية تابعة لسياسة البلدان الغربية الراقية، فاستغلها قادة الفكر والسياسة الغربيون، ظهر ذلك بصورة تبعية أجزاء هذه المنطقة لأهداف القوى الغربية واستغلالها للأهداف الغربية.

فأصبحت هذه البلدان التي كانت مركز آمال المسلمين الإسلامية ومصدر قوتهم الدينية تابعة في فكرتها السياسية للنظرية الغربية، وتشتتت وحدتها، وضعفت شوكتها رغم ما يوجد فيها من قوة معنوية لتخليص نفسها من الوهن والافتراق، ولكن قل ظهورها منهم وصاروا عالة على الدول الغربية مع أن الكتاب الإلهي وهو القرآن الكريم يوجد في أيديهم وتوجيهاته الرشيدة مع تعاليم نبيهم الخاتم صلى الله عليه وسلم تعلمهم وتهديهم إلى أن يتمسَّكوا بها لإصلاح مسيرة سياسة بلادهم التابعة للسياسة الأجنبية، واستعادة عزّتهم وقوتهم التي كانوا متمتعين بها، فإن الظروف السياسية والدينية الحاضرة في هذه البلدان تدعو دعوة شديدة إلى عودتها إلى خيرها السابق، فعليهم لذلك أن يجعلوا نصب أعينهم الآية: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ” [البقرة:208]، وآية “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ” [آل عمران:103-105].