وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

إعادة النظر في كتب التاريخ بحسن النية تؤثر على الصلات بين مختلف الطبقات
24 أبريل, 2017

وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

محمد الرابع الحسني الندوي

نحن حينما نرى حالة المسلمين اليوم من بين شعوب العالم، نجدهم يمرون من ضعف واستكانة، تغلبت على بلدانهم القوى المعادية، وهي القوى الاستعمارية الغربية بصورة عامة،إنها استهدفت المسلمين كأمة تراها خطراً لها، فبدأت لإزالة هذا الخطرالمزعوم،إنها تنظر إليهم في مرآة ماضيهم العظيم مع أنهم كانوا في ماضيهم يعاملون غيرهم معاملة إنسانية وسلمية، ولكن الغرب اليوم يصفهم بالعدواة والخطر ،فهي تختار لمواجهة هذا الخطر وسائل خطيرة،منها وسائل علمية لاستعبادهم عقلياً، ووسائل اقتصادية لإحداث الضعف فيهم، فمن وسائلهم العلمية هي مساعيها التوجيهية ومناهج تربية العقول، وتساعدها في ذلك سيطرتها على وسائل المال؛ تستغلهما استغلالاً بارعاً حيث لا يتفطن له كثير من المصابين بهما، وإن عدم تفطُّن المسلمين لذلك يجعلهم مسايرين تابعين لهؤلاء الشاطرين في مكيدتهم ضد المسلمين .

فنرى شبابنا يتهافتون إلى مناهج التعليم الغربية لروعتها الظاهرة، فهي تربّى عقولهم على النهج الفكري الغربي، يرون من خلالها أن الغرب إنما ترقّى وتقدم في القوة والغلبة على منصة المدنية والحضارة بمنهجه الفكري السائد في بلاده، وأن الشرق مصاب بالضعف والمهانة بسبب عقليته الدينية والفكرية لكونها قديمة و متخلفة حتى أن المتخرجين من جامعات المنهج الفكري الغربي يبذلون سعيهم لتخليص الشرق من الفكر الديني الإسلامي مع أن قوة الأمة الإسلامية هي في اعتصامها بالفكر الإسلامي الذي ورثته من أسلافها القادة العلماء الذين استمدوا فكرهم الإسلامي البناء من كتاب الله وسنة نبيهم، ودونوا ذلك وأورثوه أجيالهم القادمة.

السبب الكبير لمساعي الغرب لمعاداة المسلمين هو أن القوى الغربية في الغرب قد واجهت قوة الإسلام في قرونها الأولى ولم تستطع كسرها، و تقهقرت مراراً أمامها إلى أن اقتبست بعض أسباب قوة المسلمين المادية واستخدمتها لكسر قوة الإسلام، ولكنها لم تنجح في مهمتها إلا بعد وقوع المسلمين في الغفلة والتهاون في اختيار أسباب النجاح في مواجهة الأخطار على طريقتهم الحاصلة لهم من عهدهم النبوي الراشد التي تشهد بنجاحه كتب التاريخ الإسلامي الأول .

وإن هذا التاريخ يشهد بأن مستوى قوة المسلمين سقط بعد عظمتهم التي طالت قروناً منذ سقطوا في اختيار المنهج الإسلامي الأمثل الذي يدل عليه التاريخ لجلائل أعمالهم، وأثر سقوطهم هذا في طمع القوى الغربية لاستغلال ضعفهم، فدخلت في الشرق الإسلامي من طريق الوسيلة التعليمية والوسيلة التجارية، واستفادت من انحلال القوى الإسلامية في الاعتصام بحبل الله والتفرق الشنيع، ومن تهاونها في اتخاذ أسباب القوة والعمل الجاد، وصدق عليهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن مصير الأمة الإسلامية في عهدها المتأخر فقال: إن المسلمون يكونون غثاء كغثاء السيل رغم كثرتهم في العدد، فعَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ قَالَ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ قَالَ قُلْنَا وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ” (رواه أحمد)

فإننا نرى  مصداق ذلك ما فيه المسلمون اليوم في العالم، فإن لهم أكثر من ستين دولة من بين أكثر من مائة دولة في العالم، ولكنهم غثاء كغثاء السيل، لا تبالي بهم القوى العالمية في العالم اليوم رغم أن البلدان الإسلامية تملك من الطاقات المادية المهمة شيئاً كثيراً من بين الدول الأخرى في العالم، وعددهم أيضاً عدد وجيه، ولكن الدول القوية تستفيد بطاقاتهم وتستغل ثروات بلادهم، وقد جعلت في أعناقهم لجاماً من الدَّين والسلاح القوي.

فيا أيها المسلمون! تنبهوا لصوت القرآن الكريم: “وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ” [آل عمران:103]. ولما كانوا على الفكر السليم والعمل الجاد قيل لهم : “وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ” [آل عمران:139].