من الوحدة والتضامن إلى التشتت والتصارع

إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ
30 سبتمبر, 2017
الأمة الإسلامية إمام ومقتدى للإنسانية كلها
10 نوفمبر, 2017

محمد واضح رشيد الحسني الندوي

في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية، كانت الدول الآسيوية والأفريقية ـ وأكثرها الدول ذات الأغلبية المسلمة ـ قد تحررت من الاستعمار،ونالت الحرية بالمعنى السياسي، لكن التجربة التي حصلت في نفس الفترة التي تمتد إلى أكثر من سبعين سنة، أن هذه الدول تحررت من القوات العسكرية المحتلة والحكام الغربيين، لكن إذا حاول أحد أن يستعرض الأوضاع الراهنة وجد هذه الدول معتمدة في سائر مجالات الحياة على الدول التي استعمرتها نتيجة لما خلفت هذه الدول الاستعمارية من النظم، والقيود التي فرضتها على هذه الدول، والتي تقيد حريتها وتصرُّفها في مختلف مجالات الحياة رغم دعوى الحرية والتقدم، وبذلك بقيت السيطرة عليها عملياً لبعض النظم التي كانت سائدة في عهد الاستعمار.

ويرجع ذلك إلى عدة عوامل؛ العامل الرئيسي منها هو كون هذه الدول مربوطة بالدول التي استعمرتها ومحاكاتها لها،ومنها نظام التعليم والتربية والثقافة، والاعتماد على هذه الدول المستعمرة في الدفاع والصناعة ونظام الحكم، وأعطت هذه الدول فرص التدخل في شؤونها،والاعتماد على خبرائها والثقة بمناهجها.

وبذلك دامت سيطرة هذه الدول على الدول التي استعمرتها مدة طويلة، وعرفت مواضع ضعفها، وسدت سائر طرق التقدم والاكتفاء الذاتي والاعتماد على وسائلها،وقد كانت غنية بما وهبها الله تعالى من وسائل وثروات معدنية تستغلها الدول الكبرى حسب مصالحها وأغراضها فأصبح العالم الإسلامي ملعباً أو مسرحاً للثورات والعمليات العسكرية، ويخشى في هذا الوضع أن تتحول دولة واحدة إلى دويلات عديدة،كما حدث في الجزيرة التي حولها الاستعمار إلى دويلات متعددة ومتحاربة، ثم سعى إلى إحداث أسباب الاضطراب والدوافع للصراع بين هذه الدول.

ويجد كل متابع للأحداث التي وقعت بعد جلاء الاستعمار أن الدول الإسلامية بحكم انتمائها إلى الإسلام قد انتقلت من الاعتماد على قوة عالمية كانت طبيعتها استعمارية،إلى قوة أخرى، فأصبحت هذه الدول في حاجة إلى الانتقال من حماية قوة عالمية إلى قوة عالمية أخرى، وهذا المظهر يدل عليه في الأوضاع المعاصرة ما تتجرع هذه الدول من مرارة هذا الانتقال من نظام إلى نظام، ومن سيطرة دولة إلى سيادة دولة أخرى،وتسبب هذا الولاء للقوة إلى الانقسام، بل حالة حرب بين مختلف الدول الإسلامية.

قدم بعض الزعماء المسلمين بعد التحرُّر من الاستعمار فكرة التضامن الإسلامي، كان في مقدمتهم تونكو عبد الرحمن والملك فيصل بن عبد العزيز،ولتحقيق هذا الحلم تم إنشاء منظمة مؤتمر العالم لإسلامي بقرار صادر عن القمة التاريخية التي عقدت في الرباط بالمملكة المغربية في 25/ سبتمبر عام 1969م، وقدم الملك فيصل بن عبد العزيز فكرة التضامن الإسلامي عندما كان بعض القادة يقدم نظرية القومية العربية والوطنية المستوردة من أوربا. وأنشئت رابطة العالم الإسلامي عام 1962م والندوة العالمية للشباب الإسلامي عام 1972م،وفي عام 1982 أنشئ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الذي قام بتوزيع ملايين من نسخ القرآن في العالم، وأقيمت مراكز تحفيظ القرآن، ولإتاحة فرصة التعليم لطلبة مختلف أنحاء العالم أنشئت الجامعة الإسلامية عام 1962م في المدينة المنورة، وقد لعبت هذه المؤسسات دوراً في الوحدة الإسلامية،و كان يحب أن لا تبقى فقط، بل تقوى وتتعزز ويتوسع نطاقها،وجاء كل ذلك لمواجهة دعوة القومية العربية الضيقة.

ولكن حلم التضامن الإسلامي على أساس أمة واحدة لا حدّ لها،لم يتحقق لاختيار عدد من الدول الإسلامية طريق التبعية والولاء لسادتها الذين كانوا بدون إخفاء يتربصون بها الدوائر وينتهزون كل فرصة للتدخل بإثارة قضايا واستغلال نفوس.

إن الموالاة لمن بقيت نواياهم ومصالحهم المعادية أو يظهرون خوفهم من غلبة الإسلام أو قيام نظام إسلامي عادل وينتهزون كل فرصة لتشتيت شمل المسلمين وتفريق كلمتهم، لا يمكن أن تعتبر حكمة ولا خير فيها بعد أن جرَّب العالم الإسلامي في عهد الاستعمار.

إن هذا التشتت أذهب عن نفوس الأعداء هيبة المسلمين، ويتجرأ أعداء المسلمين في مختلف بقاع العالم،ويواجه المسلمون في مختلف أنحاء العالم مشاكل، حتى الخطر على وجودهم،وتبذل الجهود في مختلف الدول لإبادتهم أو حرمانهم من اتباع تعاليم دينهم، فلا توجد قوة إسلامية لمواجهة هذه المحاولات ضد بقاء المسلمين حتى إدانة هذه المحاولات فضلاً عن إغاثة المسلمين المضطهدين، وبذل الجهود لإخراجهم من المأزق الذي يقعون فيه، ولا حاجة إلى ذكر الأحداث المؤلمة والمجازر في العالم، وهي معروفة عن طريق الإعلام العالمي، ويصدق عليهم الحديث النبوي الشريف:” يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت”

لقد أصبح دم المسلمين أرخص من أي شيء مادي، بل أصبح المسلم نفسه عرضة للمسلم الآخر،ولكثرة وقوع الأحداث الدامية ونقل وسائل الإعلام لهذه المآسي التي ثير الحمية والغيرة في النفوس أصبح المسلم فاقداً للشعور والإحساس والتأثر بما يصيب ويحدث.

وكان من حق الولاء للدين والعقيدة أن يكون المسلمون كما جاء في الحديث الشريف: ” مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى “.( متفق عليه).

و”المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً” (رواه البخاري).