عوامل الاضطراب والفساد في العالم الإسلامي

الأمة الإسلامية إمام ومقتدى للإنسانية كلها
10 نومبر, 2017
ذكرى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهر الربيع
15 دسمبر, 2017

عوامل الاضطراب والفساد في العالم الإسلامي

يدعي الذين يحاربون اليوم الحركة الإسلامية، أنهم لا يحاربون الإسلام؛ بل يحاربون التطرف والتشدد الإسلامي،ولذلك إنهم يطالبون النظم القائمة في دول الأغلبية الإسلامية باتخاذ وسائل لصدّ الطريق الذي يحدث في النفوس نزعة التشدد، ويطالبون بتغيير نظام التعليم، وحذف المواد التي تنفخ في نفوس الطلاب روح الكفاح والفداء للإسلام،والذي يعتبرونه خطراً على نفوذهم ومكانتهم القوية.

إن هذا الموقف يقوم على سوء الفهم لطبيعة الإسلام،وعدم معرفتهم لتعاليم الإسلام، ومما يبعث على التعجب أنهم يعتبرون القرآن الكريم كتاباً يحمل على العداء والحرب، وأنه يدعو المسلمين إلى القتال، ويعتبرون كلمة الجهاد التي وردت في مواضع كثيرة من القرآن الكريم،أنها تهيئ للقتال، ويخوفون العالم كله من الجهاد، ويسمّون العاملين للإسلام بالجهاديين بغضّ النظر عن طبيعة عملهم ومنهجهم وأهدافهم، و لسوء فهم هذا اللفظ يواجه العاملون للإسلام أو بالأصح للإصلاح، صعوبات في القيام بمهمتهم لإصلاح المجتمع، وخاصة لإصلاح شئون المسلمين وتثقيفهم بالثقافة الإسلامية، ومكافحة الفساد.

ويعتبر هذا التصور الخاطئ عن الجهاد والعمل الإسلامي وجهود إصلاح شؤون المسلمين ودعوتهم إلى تعاليم الإسلام وتطبيقها في حياتهم، عملاً خطيراً، وعملاً إرهابياً، وبذلك أصبح العمل الإسلامي كله والدعوة إلى تعاليم الدين إرهاباً، وأصبح هذا الإرهاب خطراً عالمياً يربط كل مسلم بالإرهاب،وترجع هذه الدعاية إلى الدرس الذي يلقنه قادة الدول الأوربية وعلى رأسها أمريكا.

يقول قادة الغرب والخاضعون لهم في بياناتهم السياسية إنهم لا يحاربون الإسلام كدين مطلقاً، بل يحاربون التشدد والتطرف والإرهاب، واختاروا لذلك تعبير "الإسلام المعتدل” وقد أشار إليه الرئيس الأمريكي الحاضر أنه يريد الإسلام المعتدل،وأعاده القادة السياسيون المسلمون فيبحثون عن أسباب "إسلام معتدل” و”إسلام متطرف” و”إسلام متشدد”.

إن هذه النظرية عن الإسلام نظرية خاطئة،فالإسلام في الواقع والطبيعة معتدل، وتطبيق عملي للتعاليم المقتبسة من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والسيرة النبوية وتعامل الخلفاء الراشدين،وهو دين الاعتدال أو ما يسمى بالوسطية، وقد وصف القرآن الكريم الإسلام بدين وسط، ومنع الرسول صلى الله عليه وسلم من التشدد والتعصب والعنف بقوله وعمله بشدة وقوة، وقال: ” يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا”، وقال: "إن الدين يسرٌ ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيءٍ من الدلجة”.

ووردت في القرآن الكريم آيات كثيرة في الدعوة إلى العفو والصبر وعدم الانفعال، وهي أكثر من الآيات التي تدعو إلى القتال، وكذلك يدعو القرآن إلى الإحسان إلى غير المسلمين وحسن السلوك معهم واحترام عقائدهم، وقال "وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ” [الأنعام:108]، "وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى” [المائدة:8].

إن الذين يقولون إنهم يريدون الإسلام المعتدل، لا يشرحون ما هو الإسلام المعتدل، وتدل تصرفاتهم وحركاتهم أنهم يحاربون الإسلام مطلقاً، والقرآن الكريم مطلقاً، حتى الأعمال الخيرية والتعليمية لا تستثنى من إجراءاتهم التعسفية، وذلك بطريق فرض عقوبات شديدة على الإسهام في هذه الأعمال حتى التعليم وأعمال الإغاثة ومساعدة المساكين والفقراء،إنهم يفرضون القيود والعقوبات الشديدة على دعم هذه النشاطات لخير الإنسانية من أي مؤسسة إسلامية، حتى لا تستثنى منها المساجد بل أداء الصلاة  فيها،والدروس الدينية فيها، وتثقيف المسلمين وتعريفهم بالتعاليم الإسلامية وإصلاح شئونهم، وقد فرضت في بعض الدول عقوبات شديدة على الدعم المالي لأي عمل لإصلاح المجتمع الإسلامي، وتفرض القيود على كتب التوجُّه الإسلامي بعنوان مكافحة الإرهاب و وسائله.فإن هذه الإجراءات تدل على أنهم يحاربون الإسلام مطلقاً.

لقد أفادت بعض المصادر الصحفية أن قادة الغرب يسعون لترويج الإسلام المعتدل في الأوساط المسلمة، ويحاولون الوصول إلى النيل من الإسلام، واتهامه بالقصور من ناحية وإضعاف تمسُّك المسلم بدينه من ناحية ثانية، وذلك خلال التلميح والتصريح بما يلي:

– أن الإسلام يقيد الحريات.

– أنه لا تسامح ولا تعاون ولا احترام للآخرين، ولا كرامة للإنسان في الإسلام.

– إلغاء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

– إلغاء الجهاد الذي أمر الله به بمراتبه الثلاث.

– جعل الإسلام في خانة العبادات فقط، شريطة أن يرتضي هذا العابد كل أصناف الرذيلة والفسق والفجور ولو صدر من ابنه أو ابنته أو زوجته أو أخيه.

– أن يتاح في الأوساط المسلمة فرصة الاتجار بالمحرمات من خمر ودعارة ولواط وقمار وربا وكل أصناف الفسوق.

-أن يختار الشعب سلطته، وينظر في هذا الباب إلى خطأ من تحدث عنه علماء الإسلام في تولي أمر المسلمين الذي يجوز فيه التمكن والغلبة والتوريث القائم على الدراسة  وحسن الاختبار ويحرم فيه الخروج والفتنة”.

وإن هذا الإسلام المعتدل الذي يريده ويروج له الغرب والخاضعون له، مرفوض على طول الخط،ولن يقبله المسلم بأي حال، لأنه لا يتطابق مع روح الإسلام وجوهره وتعاليمه وتصورّه عن الحياة،فإن الإسلام معتدل بحضارته وثقافته ونظامه للحياة،وإن تعبير ” الإسلام المعتدل” الموجَّه من الغرب في الواقع  ستار للحرب ضد الإسلام.

لقد أصبحت الدول الإسلامية اليوم كلها فريسة لهذه السياسة المعادية للإسلام التي اختارتها الدول الأوربية التي يطاردها شبح الخوف من الإسلام، ومرارة تجربتها، والدعاية المزورة للإسلام بأقلام كتابها ومفكريها في عصر النهضة وبعد خروجها من عهد الظلام.

بسبب هذه السياسة المعادية للإسلام والفهم الخاطئ للإسلام تدير الوكالات المختلفة في الدول الأوربية حركات وعمليات، وتربي عاملين لتبرير هذا التصور الخاطئ، فإن الذين يحاربون الإسلام باسم مكافحة الإرهاب، هم الذين يمارسون الإرهاب في مختلف أنحاء العالم في الواقع، ويفرضون الحروب والصراعات المسلحة ويدعمونها بالأسلحة ويمولونها، وتشرف على هذه التصرفات المخربة وكالات أجنبية تابعة للنظم الغربية ومعادية للعالم الإسلامي، وتحدث عوامل القلق والاضطراب، وتخضع الحكومات القائمة على تنفيذ هذه المخططات.

محمد واضح رشيد الحسني الندوي