شهر وبركات وخيرات

من الوحدة إلى التفكُّك
20 مايو, 2017
الرائد تدخل في نهاية العقد السادس من عمرها
21 يوليو, 2017

شهر وبركات وخيرات

شهر وبركات وخيرات
محمد الرابع الحسني الندوي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم خاتم النبيين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين،أما بعد.
فياله من بركات وخيرات،فلقد أظلنا الشهر المبارك شهر كتاب الله المجيد،بمزيد العبادات وأعمال البر التي يشتمل عليها هذا الشهر الكريم العظيم، وهو شهر فيه ليلة عظيمة هي ليلة القدر، ليلة يقرر الله تعالى فيها ما يقرره من الأحوال والأعمال لسكان هذه الأرض وما يظلها من السموات،أتاح الله تعالى خالق هذا الكون هذه الليلة مرة في كل سنة.
شهر رمضان فترة من الزمن ليكسب الناس الخيرات والبركات بمقدار أكثر وبصورة أكبر، وذلك بأداء الصوم في النهار والصلاة وتلاوة القرآن في الليل، وتحضره جموع الملائكة في أكبر عدد في أوقات العبادة في الليل والنهار، ويشاركون المؤمنين العابدين فيما يقومون به من أعمال العبادة لله وحده، والقيام بما يرضى به خالقهم من الطاعة وطلب الخير منه.
إن النعم التي أنعم الله تعالى بها على الإنسان والجن لا يمكن أن يؤدي هذا المخلوق الأرضي شكر خالقه عليها كما يجب عن طريق الطاعة والعبادة، فأعوض الله تعالى بهذا الشهر كفرصة غالية للطاعة له وعبادته بمضاعفة الأجر، وببركات وخيرات وأجر أكثر، قال في كلامه المجيد “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ” [البقرة:185]، وقال رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف عن ربه العظيم كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: “إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به.
وإن كلمة أنا أجزي به تحمل معنى أعظم، فإنما يشتمل على أن الأجر في رمضان يكون مخصوصا بذات الله تعالى، أما في غير رمضان فالأجر تخص بمدى عناية العبد بطاعة ربه.
وذلك لأن الصائم يقوم بالصبر على ما يعانيه من الانقطاع عما يحبه وتفتقر إليه نفسه من راحة قلبه وراحة جسمه،فقلبه يتحمل الصبر على وقف طعامه وشرابه لطائفة من الوقت، وجسده يتحمل صبراً على إطالة القيام بين يدي ربه طالباً لمغفرة ربه على تقصير قد يأتي منه في طاعة ربه.
إن أداء فريضة العمل في رمضان منهج جامع للعبد المؤمن في قيامه بفريضته الإيمانية الصالحة، وقد وصفه الله تعالى في اختصاص هذا الشهر بنزول كلامه المجيد، وقد جعله دستورا كاملاً للحياة الإيمانية فقد قال عنه “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ” . فيوجد فيه وصف وإيضاح وتلقين وأمر ونهي وأمثلة لجوانب الحياة الصالحة، وكذلك أمثلة للحياة السيئة، وتصحيح وعلاج لأسقام العمل الإنساني، أصبح بذلك القرآن الكريم دستوراً لإصلاح حياة الإنسان، وشفاء لأمراض الحياة الإنسانية، وقد قال الله تعالى ” وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ” (الإسراء: 82) وذلك لأن الأنواع المختلفة لأحوال الناس إنما مصدرها هو القلب الإنساني، فعندما يقرأ قارئ القرآن فإنه يمر من ذكر هذه الأحوال المختلفة المتنوعة وهي تقل في ناس وتكثر في ناس آخرين،و ينقسم بذلك الإنسان إلى مؤمن بالله، وإلى كافر به، وإلى رجل تقي، وإلى رجل فاجر، وإلى صالح، وإلى فاسق، وإلى وسخ، وإلى طاهر، وإلى مؤمن، وإلى منافق، وإلى صريح، وإلى خادع، وهي أقسام وأنواع كثيرة يطلع القارئ عليها، ويعرف ما يجب على المؤمن من اختيار الحيطة والحذر وطلب النصرة والتوفيق من الله تعالى.
ولقد أحاط القرآن الكريم بكل ذلك، وعندما يقرأه ويسمعه العبد المؤمن خلال أوقات تلاوته في شهر رمضان في التراويح وغيرها، وخلال أيام رمضان، ويطلع على كل هذه الأحوال بها أن يأخذ الحيطة والحذر في أعمال حياته، ويحمل هداية القرآن الكريم طيلة أيام السنة إلى أن يأتي شهر رمضان القادم فيتكرر الأمر، ويسمع الإنسان القرآن الكريم في ليالي رمضان التي يكون فيها جو صاف يتيسر فيه الإنصات إلى كلام خالق هذا الكون، والاتعاظ به، وينقي حياته من المساوئ، ويتحلي بفضائل الأعمال، أما في نهار رمضان فإن المؤمن يتربى فيه على الصبر في شأن رغباته وأعماله من أعمال فضول الكلام والإفاضة في أحوال سيئة بشأن المأكولات والمشروبات، ويستمر هذا الاتعاظ لمدة شهر فيتربى بذلك على الصفات الحسنة والأحوال الطاهرة، فشهر رمضان يصبح بذلك شهر رياضة وتربية وتدريب على صلاح الحياة، ويبلغ الأجر على أعمال رمضان إلى سبعين مرة .
فياله من بركة!، ويا له من كسب الخيرات!، فأهلاً وسهلاً لاشهر رمضان الكريم.