المنهج السليم للدعوة الإسلامية

بين النظام الجمهوري والنظام الدكتاتوري
7 جون, 2018
رائد القوم لا يكذب أهله
22 جولائی, 2018

المنهج السليم للدعوة الإسلامية

لا تستطيع أي دعوة أن تنتشر وتغزو القلوب على مجرد أساس الفكر والعقيدة، وإنما تحتاج الدعوة إلى تطبيقها في حياة الداعي والتزامه بمبادئها، وحل مسائله في ضوء تعاليمها، لأنها إذا كانت لا تحل مسائل فردية فإنها لا تستطيع أن تحل مسائل اجتماعية، ولذلك كان تأكيد الإسلام على الصلاح الذاتي والتمسك بتعاليمه في سائر مراحل الحياة،وتفيد تجارب التاريخ ونماذج الدعاة المتوفرة في تاريخ الدعوة بأن كبار الدعاة الذين حققوا مكاسب في عملهم الدعوي، بدأوا بأنفسهم وارتقوا في منازل تربية النفس وإصلاح أنفسهم وتزكيتهم والإقناع بصلاحية مبادئهم لإصلاح الحياة اقتناعاً كاملاً، فأحرزوا تأثير القول والعمل، ثم توجهت عنايتهم إلى توسيع دائرتهم ونطاق عملهم، فأنشأوا مجتمعاً متمسكاً بتلك التعاليم قولاً وعملاً، كانت له صبغة خاصة، وطريق خاص للحياة.

لقد كان من ظواهر مناهج الدعوة في هذا العصر الانفصال في القول والعمل، بالإضافة إلى اقتصار الدعاة على الدعوة إلى أجزاء متفرقة منفصلة، بينما كانت الدعوة في الماضي قولاً وعملاً، وكانت الدعوة عملاً موحداً متكامل الأجزاء متناسق التركيب.

كان من طبيعة الدعوة الإيمانية أن تكون غير مجزأة، كالإيمان الذي لا يتجزأ لأنه وجداني، وفكري وعملي، كذلك يجب أن تكون الدعوة وجدانية وفكرية عملية، وأن تكون شاملة متكافلة لسائر أجزاء الإيمان وشعبه.

كانت الدعوة في الماضي رغم عدم توفر الوسائل للإعلام أكثر انتشاراً وأكثر صلاحية لكسب القلوب، لأنها كانت تقوم على الصلاح الذاتي للدعاة، الذين كانت حياتهم تعكس التعاليم التي كانوا يدعون إليها، ثم كان الصلاح الذاتي مقترناً بالإصلاح الاجتماعي، لأن صلاح الفرد لا يضمن له بالبقاء إلا إذا صلح المجتمع الذي يعيش فيه، فإن المجتمع بمثابة حمى يحمل قوة رادعة، وقد أهمل في الحياة الاجتماعية اليوم جانب الصلاح الفردي، ولذلك فقدت الدعوة تأثيرها رغم تدعيمها بالوسائل، فقد كان فرد واحد في السابق يحدث انقلاباً لأن نفوذه كان يمتد، ويتوسع بمدى ارتفاع مستواه في الصلاح الذاتي وتمسكه بالقيم التي يدعو إليها وبأخلاقه وشمائله، وبتحرُّق قلبه لإصلاح الناس واستئصال جذور الفساد من حياتهم، وكان عمله يتطالق لمصلحة الدعوة ومصلحة الأمة، ويعين مهمته ومنهج عمله حسب حاجة الأمة لا حسب ذوقه واختصاصه، فلم تكن الدعوة مهنة، وإنما كانت هواية ووسيلة للتقرب إلى الله، وكان الجلوس في مجلس فرد من هؤلاء الأفراد أو الاتصال به لفترة قصيرة من الزمن عامل تغير في الحياة، وفي التاريخ أمثلة لحدوث تغير جوهري في الحياة باتصال عابر بفرد صالح له قلب مستنير تجسدت فيه دعوته، فقد تكون طبيعة بعض النفوس رقيقة نفاذة، يشف منها الصلاح، وتنجذب إليها القلوب، وتقبل عليها النفوس، وتحمل نظراتها والنظر إليها جاذبية تثير القلوب وتحملها على الاحتساب، وتحدث في النفس ثورة ذاتية، ومثل هذا التأثير بلا يحظ أكثر في حياة الدعاة الذين يحرصون على اتباع السنة، ويحكمون الشريعة في حياتهم، وقد غير بعض الصالحين الدعاة بتأثيرهم على النفوس مجتمعهم عن طريق جلسائهم ومجالسيهم وأحدثوا الحس الديني في قلوبهم، وهو استحسان الحسن واستقباح القبيح والانفعال برؤية المنكر والاستبشار برؤية الحسنات، وقد أنجب التاريخ الإسلامي أعلاماً تتصف حياتهم بالوحدوية والشمول، وإعداد الجيل الجديد المحافظ والرابط، الأعلام الذين بدأوا حياتهم بالصلاح الذاتي بتزكية النفس ثم الدعوة إليها ثم التربية، والالتزام بالسنة والشريعة، ثم عكفوا على الإصلاح الاجتماعي واختاروا مناهج للإصلاح وتغيير المجتمع ومعالجة المشاكل والفتن بعصرهم.

لقد أنجبت الهند في عصور مختلفة شخصيات نورت العالم بالعلم، والتورع، والتقوى والإنابة إلى الله، وتاب على يدها ألوف من الناس، وصلحت حياتهم، واهتدى ألوف من غير المسلمين، وصلحت حياة الأمراء، والسلاطين، وقد عرفت الأوساط العلمية الإمام السرهندي، والإمام ولي الله الدهلوي، والإمام أحمد بن عرفان الشهيد، والعلماء الذين أثروا المكتبة الإسلامية بتأليفاتهم العلمية، ولكن خفيت أدوار الشخصيات التي كانت من أتباع هؤلاء الأعلام المعروفين.

ذكر الشيخ مراد بن عبد الله في ذيل الرشحات عن الشيخ محمد معصوم السرهندي (1079هـ) أنه كان آية من آيات الله مثل والـده الشيخ أحـمد بن عبد الأحد السرهندي، نور العالم، وبدد ظلمات الجهل والبدع، وقيل بايعه تسع مائة ألف شخص وعدد خلفائه سبعة آلاف، كان منهم الشيخ حبيب الله البخاري أعظم مشايخ خراسان وما وراء النهر في زمانه، وقد تنورت بخارى بنور السنة.

وجاء عن الشيخ آدم البنوري الذي كان أيضاً من أصحاب الإمام السرهندي أنه بلغ من رتبة لم يصل إليها كثير ممن عاصره من المشايخ، وكانت طريقته اتباع الشريعة المحمديـة، لا ينصرف عنها قيد شعرة في الأقوال ولا في الأفعـال، وقيل: إن أربعمائة ألف مسلم بايعوه.

سار إلى لاهور سنة 1052هـ وكان معه عشرة آلاف من السادة والمشايخ، وكان الإمبراطور شاهجهان المغولي بلاهور فاستعظمه، وأمره السلطان شاهجهان لتزايد شعبيته أن يسافر إلى الحرمين، فسافر وحج وسكن في المدينة المنورة، حتى مات، ولم يخالف أمر السلطان تفادياً للفتنة.

أما الشيخ مرزا مظهر جانِ جانان (1195هـ ) فيقول عنه الإمام ولي الله الدهلوي: لا تخفى عليّ أخبار رجال الهند وسيرهم، فقد ولدت هنا وعشت، وزرت البلدان العربيـة، وقمت فيها برحلات، وجولات، وسمعت أحوال رجال أفغانستان وإيران من أهلها الثقات، توصلت بعد كل ذلك إلى أنه لا يوجد في أي بلد من هذه البلدان مربّ روحي يضاهيه في اتباعه للكتاب والسنة، وتمسكه بهما، واستقامته على جادة الشريعة والطريقة، ويساويه في علو كعبه في إرشاد الطالبين، وتربية السالكين، وفي قوة تأثيره في عصرنا هذا، يمكن من غير شك أن يكون أمثاله في القرون الماضية.

لقد كان اتباع الشريعة والسنة، وقول الحق، والتعفف والاستغناء، والتوكل والابتهال إلى الله، سر تأثير هؤلاء المشايخ، وانتقلت هذه السمة من جيل إلى جيل، ونجد من يتصف بهذه الميزة بأقدار مختلفة في سائر العصور.

كان الشيخ فضل الرحمن الكنج مرادآبادي (1313هـ) من أتبـاع خلفاء الإمام السرهندي، فقد أدرك الشيخ عبد العزيز الدهلوي، والشيخ غلام علي، والشيخ محمد آفاق، وأخذ عنهم الحديث والطريقة، يقول عنه العلامة الشريف عبد الحي الحسني: كان أكبر من رأيت وأعلمهم بهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودلّه وسمته.

كان لا يهاب أحداً في قول الحق، وكلمة الصدق، ولو كان جباراً عنيداً، قد انتهت إليه الإمامة في العلم والعمل، والزهد والورع، والشجاعة، والكرم، والجلالة والمهابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع حسن القصد والإخلاص، والابتهال إلى الله تعالى، وحسن الأخلاق، ونفع الخلق، والإحسان إليهم.

وأما من سبقهم كالشيخ معين الدين الجشتي الأجميري والشيخ نظام الدين أولياء فكانوا مؤسسي الإسلام والثقافة الإسلامية والتربية الإسلامية في الهند، وكانوا كمنارات تنشر النور ليست في الهندفقط بل في البلدان المجاورة أيضاً، وكتب التاريخ للدعوة الإسلامية زاخرة بدورهم في تأسيس الدعوة الإسلامية في الهند والبلدان المجاورة.

وكان هؤلاء العلماء يقصرون جهودهم على التربية، والدعوة، وإصلاح الباطن، ونشر العلوم الإسلامية، وكانت صلتهم مع الحكام صلة نصح وهداية إلى الخير بدل الصدام فكانوا يتجنبون كل فرصة للصدام مع رجال الحكم، ويصلحون فساد علماء السوء والمتصلين بالبلاط، وكانوا لا يتركون أي فرصة تتاح لهم لإسداء النصيحة للحكام، ويرعون مصلحة المسلمين العامة عن كثب، ولكن من وراء الستار، ويبذلون جهدهم لتوجيه الحكام، والمتصلين بهم، وتربية من كان يرتاد إلى مجالسهم، متمسكين بالتعاليم الخلقية، والتعفف والاستغناء، وكانوا مصدر إلهام وتغذية لكل حركة، وكل جهد لخدمة الإسلام ورفع كلمته، ونشرها، فكان مثلهم مثل القناديل التي تنير الطريق وترشد الناس.

كان الحرص الشديد على اتباع الشريعة، والغرام بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، والحرص على التخلق بأخلاقه، والاقتداء بشيمه وشمائله، والالتزام بأوامره ونواهيه، حتى في المستحبات والمرغوبات والآداب، والسلوك العام، سمة العلماء والمربين في الهند، وكان يتساوى فيه جميع رجال التربية في الهند، ولم يخل عهد من العهود من أمثال هؤلاء المربين المتمسكين بالشريعة، وكان هذا الحرص والالتزام الشديد بالشريعة، والسنة، عنصراً أكبر في الاحتفاظ بأصالة الإسلام، والشخصية الإسلامية، وكان عامل بقاء الثقافة الإسلامية، وصمودها في وجه التحديات، وكان وقاية من الذوبان في مصهر الثقافة الهندية غير الإسلامية رغم كون المسلمين في أقلية تحيط بهم أغلبية ساحقة متزمتة بعقيدتها، وثقافتها، وفكرها، وحضارتها، والتراث العلمي الزاخر الذي كان له دور وتأثير عظيم في ثقافات الأمم.

فلو لم يكن هذا التمسك الشديد والتشبث بأهداب الدين، واتباع السنة، حتى في الفروع الذي يلاحظ في سائر عصور التاريخ في الهند متواصلاً، متناقلاً من جيل إلى جيل، لما بقيت الشخصية الإسلامية، ولما صمدت في وجه أعاصير الانقلابات، والحركات الثقافية والعقائدية، ولدخلت فيها عناصر التحريف، واستسلمت لضغوط التيارات التي جرت باسم الإصلاح والتجديد في مختلف العصور، ولفقدت الشخصية الإسلامية كثيراً من ملامحها، ومزاياها.

كان هؤلاء المربون الذين نشروا الإسلام، وقاموا بتربية سائر طبقات الناس، ومن بينهم أصحاب المهن والحرف، ورجال البلاط، وكذلك المذنبون التائبون، والمجرمون، كانوا قدوة وأسوة، في المأكل، والمشرب، وفي المعيشة، وفي السلوك مع الناس والأخلاق، وكانوا نماذج متنقلة، ومدارس يتعلم منهم الناس نمط الحياة الإسلامية، أعمالهم وحياتهم، وسلوكهم كان تطبيقاً للتعاليم الإسلامية، والآداب الإسلامية، وبفضل هذا الالتزام الشديد احتفظ الإسلام في الهند بتأثيره ونفوذه، وبفضل هذا الالتزام بالسنة وبركته كان رجال التربية يتمتعون بقوة استمالة القلوب وسحر النفوس.

كان هذا التمسك بالصبغة الإسلامية الأصيلة يهيمن على الحياة الفردية، والجماعية، فالتزم المسلمون الذين كانوا خاضعين لتأثير هؤلاء العلماء المتحفظين، وكانوا يضمرون لهم الولاء، والحب بالثقافة الإسلامية الأصيلة، وهي الثقافة التي تستمد جذورها من الثقافة العربية التي تكونت في القرون الأولى، وسيطرت على سائر جوانب الحياة من العادات والتقاليد، والملابس، وتأثيث المنزل، وفن البناء، والمأكل والمشرب، والمعاملات، حتى المشاعر، والاتجاهات الأدبية والفكرية التي تخضع طبعاً للحياة الاجتماعية، والعقيدة الأساسية.

فانتشر الإسلام، وعمت الدعوة الإسلامية بجهود هذه الطبقة التي كانت تفضل أن تعطي ولا تأخذ، وتحبب التعاليم الإسلامية إلى النفوس بعرض خصائص الشخصية الإسلامية والثقافة الإسلامية، وتتصدى للتطورات السياسية، والاضطرابات بحكمة، وتتربص بالفلسفات والنظريات العقلية، والمذاهب والتيارات التي كانت تتنافى مع روح الإسلام وجوهره.

محمد واضح رشيد الحسني الندوي