الرائد تدخل في نهاية العقد السادس من عمرها

شهر وبركات وخيرات
3 يونيو, 2017
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا (القرآن الكريم)
16 أغسطس, 2017

الرائد تدخل في نهاية العقد السادس من عمرها

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الرائد تدخل في نهاية العقد السادس من عمرها

محمد الرابع الحسني الندوي

لقد قضينا شهر رمضان المبارك بمثل ما كنا نقضيه كل عام، وقضى معنا هذا الشهر الكريم المسلمون في كافة ديارهم وأوطانهم في العالم، ينتفعون وننتفع ببركاته التي ينعم الله تعالى بها على المؤمنين الذين يهتمون بأداء الواجب الذي يخصه للتقرب به إلى رب العالمين، نتقرب بأداء واجباته من العبادة وأعمال الخير التي ترتفع درجاتها في هذا الشهر دون شهور أخرى للسنة.

وقع هذا الشهر الكريم بعد صدور عدد أخير من العقد السادس من صحيفتنا “الرائد”، تدخل صحيفتنا بعده في العقد السابع، وبالتاريخ الهجري نكون قد أكملنا ستين سنة، وهي مرحلة زمنية كبيرة بالنسبة إلى عمر الإنسان، وعمر الإنسان هذا يكون مشتملاً على أحداث وأحوال متنوعة، ويمرّ من أصنافها، ويقضي مقتضياتها للإنسان.

فنحن حينما نلقي نظرة على الظروف الإنسانية التي مرَّ منها جيلان من أجيال هذه المدة، وبخاصة بالنسبة إلى المسلمين، نجد أن الأمة الإسلامية في هذه المدة أحرزت شيئا من النهضة بعد مدة من الزمن، ونالت حداً ما من الاعتبار للحياة، ومرت معها من ظروف العدوان والمكيدة من كبرى الطاقات، وإن المكيدة كما يعرفها الناس يكون شرُّها خفية لا يطلع على خطرها والضرر الآتي منها إلا عدد قليل من عقلاء القوم، وذلك يكون بوجه عام في الوقت الذي تكون قد اقتربت المكيدة إلى نجاحها.

فلقد مرّ المسلمون في العالم مراراً من أحوال المكيدة، ولاشك أنهم قد نالوا نصراً من الله أيضاً في نهاية المكايد التي حيكت ضدهم، وإن الضرر البالغ في شره الذي وقع للمسلمين في المدة الأخيرة هو ضرر تشتتهم وافتراقهم وتضارب طاقاتهم الوحدوية حتى صارت وحدتهم القومية وحدات كثيرة لا تستطيع أن تدافع عن عزتهم وشوكتهم التي كانت حاصلة لهم في عصورهم الماضية، كما وقع من سوء حظهم أن أكثر المهتمين بأمرهم من قادة فكرهم في هذه المدة الماضية الأخيرة لم يفطنوا لخطورة المكيدة التي وقعت ضدهم إلا قليلاً فلم يستطيعوا التخطيط المطلوب لمواجهة الشر اللاحق بهم.

لقد كان الله خص الأمة الإسلامية باستخدامها لوسيلة العلم والتضامن بين أجزائها عند بروز هذه الأمة إلى الحياة،واستفادت الأمة الإسلامية باستخدامها للوسيلتين المذكورتين ونالت العزة والقوة في تاريخها، ولكنها في زمنها الأخير منها تهاونت في هاتين الوسيلتين واختارهما غير المسلمين ففاقوا تفوقاً وقوة استخدموها للضغط على الأمة الإسلامية واستعبادها، نرى ذلك في نهضة الأمم الغربية وتهاون الأمة الإسلامية في القرون الماضية الأخيرة.

لقد كان العرب الأميون الذين تلقوا عند نزول كتاب الله المجيد هداية إلى ما يصلح سيرتهم وأخلاقهم ويربيهم على الطاعة المخلصة لربهم الواحد الصمد واتباعهم لأحكامه، واستفادوا بما ميزهم الله تعالى به من صفة العلم، وسعوا لذلك سعياً بالغاً حتى وصل المسلمون إلى قمة العلم، وعظمت مكانتهم، وفاقوا بصفة العلم في المجال التجريبي والفكري كليهما، وقضوا قروناً في تفوقهم في ذلك، ثم تهاونوا، واستعارت الأمم الغربية منهم صفة العلم، وترقوا إلى أن فاقوا في العلوم المادية التجريبية، فغلبوا على غيرهم في المجالات العملية،أما سعيهم في المجال الفكري فكان محدوداً في المادية الملحدة،فقد استخدموا هذه الوسيلة لصياغة العقول على نظريتهم الاستعمارية، وبذلك أصبح لهم تلاميذ من المسلمين أصبحوا وكلاء في الدول الإسلامية، وغلبوا على قيادة شعوبهم الإسلامية، وبذلك دخلت في المسلمين تبعية فكرية، وأثرت مكيدة الغرب عليهم، وتشتتوا وتفرقوا، وأصيبوا بمركب النقص، ومركب النقص هو بلاء يفسد حال صاحبه.

لقد شعر بذلك قادة العلم والدين في الدول العربية، فقاموا بثورات عسكرية وحكومية، ولكن لم ينفعهم ذلك لإصلاح حالهم وإعطائهم القوة الإيمانية، وقد كان يجب عليهم أن يقوموا أولاً بإصلاح النفوس والتربية الإيمانية في شعوبهم بصورة شاملة، وإذا حصل ذلك، فكان ينفعهم في إحداث انقلاب في شعوبهم في الصورة التي حصلت لهم في أول عهدهم بحيث نهضوا من الأمية السافلة إلى أعلى درجة في العلم والسيرة والسياسة لقرون عديدة.

فإنه يجب علينا أن نقوم باختيار نفس المنهج في التربية والفكر والعلم الذي كان قد اختاره صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم أتباعهم لعدة قرون، فإنه يحصل لهم من الله النصر والتوفيق لما يصلحهم، فيرفع منزلتهم في العالم.