الأمن والسلام أحوج إليه من الأهداف الأخرى

المجتمع الذي يصلح لقيادة العالم
20 فروری, 2018
وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
29 مارچ, 2018

الأمن والسلام أحوج إليه من الأهداف الأخرى

كان الحزب السياسي الحاكم المعروف بحزب بهارتيا جانتا قد أعلن في منشور الانتخاب أنه إذا انتخب يحوِّل الهند إلى دولة هندوسية، وقام المسئولون عن الحزب بحملة الكراهية ضد المسلمين إلى حدّ أن قالوا بصراحة أن الحزب إذا انتخب سينهي النظام الجمهوري الديمقراطي القائم منذ الاستقلال بقيادة الحزب الوطني إلى نظام ديكتاتوري، ويبدل دستور البلاد الذي يقوم على أساس فكرة الديمقراطية و العلمانية، ويغيّر قانون الأحوال الشخصية الإسلامية، ويفرض نظاماً مدنياً موحداً، وأصدر بعض الزعماء بيانات تهدد المسلمين حتى طردهم من البلاد،فوقعت اضطرابات طائفية أسفرت عن وقوع خسائر في ممتلكات وأرواح المسلمين، وكل ذلك لإرضاء الأغلبية الهندوسية وجذبها إلى الحزب، كما أعلن باستعادة الأموال المودعة في البنوك السويسرية إلى البلاد أو توزيعها على الفقراء والمساكين.

نال الحزب المذكور في الانتخابات أغلبية ساحقة، وقد أبدت بعض الدوائر السياسية الشكوك في نظام الانتخابات وفي النتائج، إلا أن الحزب تولى الحكم، ولا يزال الشعب الهندي ينتظر تحقيق ما وعده قادة الحزب، وبقي الوضع كما كان سوى حوادث ذبح البقر المزعومة التي ذهب ضحية لها عدد كبير من المسلمين، ولا يزال الإهمال للأهداف التي كانت في قائمة الانتخابات.

قد أثار الحكام بدلاً من تحقيق الأهداف المذكورة في قائمة الانتخابات، قضية التطليقات الثلاث كأهم القضايا في البلاد، وهذه القضية تهم المسلمين وحدهم، وامتنعت المحكمة العليا من إصدار حكم، وحولت إلى الحكومة، فأعدت الحكومة مسودة قانون للحظر على الطلاق الثلاثة، وقد قام المسلمون باحتجاجات واسعة ضد هذا المشروع،ولا يزال هذا المشروع في البرلمان، وكذلك تفرض قوانين تناقض تعاليم الإسلام وتتعارض مع رغبات الأغلبية الإسلامية.

تصدر تقارير حول الوضع الاقتصادي في البلاد أن البلد بدلاً من التقدم في هذا المجال، يواجه كثرة إختلاس الأموال المودعة في البنوك وخروجها،ويدل ذلك على أن وضع الأمن والسلامة في البلاد تدهور إلى حد كبير،ويستمر الهبوط والتراجع بدلاً من التقدم، وعمت البطالة، وأغلقت مصانع كثيرة، فبدلاً من عودة الأموال المودعة في البنك السويسري وتحسين الوضع الاقتصادي والتقدم الصناعي خرجت ثروة هائلة من البلاد إلى البنوك الأجنبية، وتتكبد البنوك الخسائر، وتفرض قيود على نظام البيع والشراء، وذلك ما تدل عليه بيانات الزعماء في البرلمان وتعليقات الصحفيين والسياسيين التي تنشرها الصحف ووسائل الإعلام.

وإن نظرة خاطفة على هذا الوضع تدل على أن الواقع يخالف ما تضمنته الوعود والأهداف المنشورة في الانتخابات، وبهذا الاعتبار لا يكون من الغريب إذا كانت  تتحول البلاد إلى بلد هندوكي، لكن هذا الهدف المنشود يواجه عقبات في سبيل تحقيقه،فإن هنا خصومات كثيرة بين الهندوس أنفسهم.

إن الهند بلد هندوكي لكون الهندوس في الأغلبية الساحقة، لكنهم مختلفون  أقسى الاختلافات في العقائد الدينية والطقوس والعادات والنظام العائلي، ولا تتعدد اللغات فحسب،بل تتعدد  الأديان والمعتقدات حتى الأعياد،ولذلك اختار واضعو الدستور الهندي الديمقراطية والعلمانية وعدم الاستغلال، وليس للمسلمين قانون للأحوال الشخصية بل لسائر سكان البلاد الآخرين حتى الذين يدعون الانتماء إلى الهندوسية قوانين خاصة حسب طبيعة حياتهم ومعتقداتهم الدينية ورسومهم وعاداتهم الدينية.

وقد بذل علماء الهند وفيهم المسئولون عن هيئة قانون الأحوال الشخصية الإسلامية لعموم الهند جهودهم لإقناع الزعماء السياسيين بأن قضية الطلاق قضية تهم المسلمين وحدهم، وتعاليم الإسلام واضحة في هذا الموضوع، ولا صلة لها بغير المسلمين وعامة سكان البلاد، وإن المسلمين لا يتحملون أي تدخُّل في الشريعة،وقد قامت ” لجنة تفهيم الشريعة” التابعة للهيئة بإجراء لقاءات وعقد حفلات لشرح القونين الإسلامية، وإزالة ما علق بالأذهان والنفوس من شكوك وشبهات حول الشريعة الإسلامية،ولعل هذه القضية اتخذت للفت الأنظار عن الفشل في المجالات الأخرى.

إن موقع الهند وطبيعة الحياة فيها وسكانها وتاريخها قبل المسلمين وبعد وصول الإسلام إليها إلى العصر الحاضر يدل على أن الوحدة في التنوع في سائر مجالات الحياة كانت سمة للهند في سائر العصور،وقد اختار زعماء حركة التحرير الذين كانوا يعرفون طبيعة الحياة الهندية، اللاعنف في حركتهم، وبذلك نجحت حركة التحرير من الاستعمار في الهند التي تكبدت خسائر فادحة في حركتها للتحرر من الاستعمار.

وقد كان سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي كلما خاطب رؤساء الهند وزعماء الحركات السياسية،ذكر حركة التحرير والسياسة التي اختارها زعماء هذه الحركة لبقاء وحدة الهند وسلامتها وهي العلمانية واللاعنف والديمقراطية واحترام سائر الأديان، وقد كانت حركة رسالة الإنسانية من أهم نشاطات الشيخ الندوي، ولذلك عقدت اجتماعات وحوارات مع زعماء الأديان لإقناعهم بضرورة هذه الحركة التي تؤمن سلامة البلاد وأن هذه الجهود المبذولة حاجة هذا العصر لمنع البلاد من التمزق،ووجه الشيخ الندوي انتباه الزعماء والقادة ـ مهما كانت انتماءاتهم إلى حزب سياسي ـ إلى هذه الأسس للنطام السياسي في الهند، وهي الديمقراطية والعلمانية واللاعنف،وقد قال سماحته لرئيس وزراء الهند أتل بهاري واجبائي الذي كان ينتمي إلى نفس الحزب الذي يحكم البلاد اليوم: عليه أن يبذل جهده في سلامة البلاد وبقاءها.

وفي الهند طبقة كبيرة من زعماء الأغلبية تعتقد أن الوئام الطائفي والتسامح بين مختلف طبقات البلاد أساس بقاء وحدة البلاد وسلامتها، وقد كان الشيخ الندوي في آخر عهده يعقد مؤتمرات ولقاءات وحوارات مع القادة والزعماء لتحقيق هذا الهدف.

محمد واضح رشيد الحسني الندوي