الأمة الإسلامية إمام ومقتدى للإنسانية كلها

من الوحدة والتضامن إلى التشتت والتصارع
17 أكتوبر, 2017
عوامل الاضطراب والفساد في العالم الإسلامي
22 نوفمبر, 2017
بسم الله الرحمن الرحيم
إن شهور السنة الهجرية تحمل في طيها أحوالاً وعبراً، نجد فيها تذكيراً للإنسان وتوجيهاً له إلى ما يقع عليه من مسئولية العمل والواجب الذي فرضه الله وهو خالقه لأدائه عندما دخل في الحياة في هذه الدنيا، وقد أصبح كل إنسان مكلفاً لأداء هذا الواجب الذي يواجهه في شؤون حياته في هذا العالم منذ نشأة هذا العالم في التاريخ،و بعث الله تعالى أنبياء ورسلاً لتعريف هذا الواجب وطريق أدائه، وإن شهور السنة تأتي وتذكر الإنسان به.
وعندما نرى إلى شهور السنة من هذه الناحية نجد شهر محرم الحرام خاصاً ببعض الحوادث المهمة للتاريخ الغابر في حياة الأنبياء القدماء، مثل سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام وغيره، وقد وقع في اليوم العاشر منه خلاص ورحمة لبعض الأنبياء العظماء وقومهم، فقد جاءت إشارة عن ذلك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى المدينة المنورة وعلم أن اليهود يصومون في اليوم العاشر من شهر محرم الحرام استذكاراً لرحمة حصلت لنبيهم سيدنا موسى عليه السلام، وقال: نحن أحق بأن نستذكر ذلك، ونحن أيضاً نصوم في هذا اليوم، وكان ذلك قبل أن يؤمر المسلمون بصوم شهر رمضان، وبذلك أصبح شهر محرم الحرام تذكاراً للأقدمين من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ثم أنه أول شهر من شهور السنة الهجرية،وبه يتعين موقع كل شهر من شهورها الهجرية.
ونجد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خاتم سلسلة أنبياء الله المكرمين أنه في أول مرحلة من حياته النبوية قد قاسى قسوة شديدة من قبيلته قريش قبل بدء العمل عندما نادى بالدعوة إلى الدين الحق، كما وقع للأنبياء الأقدمين من مقاساة للشدائد على حياتهم على دعوتهم للناس إلى الحق، وجاء رسول الله سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم كحلقة أخيرة من سلسلة الأنبياء الطويلة، وبانتقاله من بيئة المعاناة والمقاساة إلى بيئة الاستقرار والنظام، ابتدأت السنة التي سميت بناءً على هجرته هذه المهمة بالسنة الهجرية، فالسنة الهجرية تذكرنا بالوقائع المهمة قبل هجرة خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم، ومنها وقائع الأنبياء المتقدمين، وتذكرنا بواقع النبي الخاتم في أدائه لمسئولية التبليغ للدعوة إلى الحق، واحتماله للأذى، ثم خروجه من هذا المضيق بالهجرة من مكة إلى المدينة.
بدأت هذه السنة الهجرية من شهر محرم الحرام ونالت الأهمية من شهرها الثالث وهو شهر ربيع الأول، وذلك بواقع الهجرة،وبذلك أصبحت هذه السنة الهجرية سنة إسلامية، و لما اختص شهرها الثالث بواقع الهجرة أصبح هذا الشهر منتسباً إلى هذا الرسول العظيم الخاتم للأنبياء.
وأصبح شهر ربيع الأول هذا ربيعاً محبوباً من بين شهور السنة الهجرية، وما أحسن ما قاله شاعر عربي إسلامي في شأن صاحب هذا الشهر الذي ولد فيه أيضاً فامتاز هذا الشهر أيضاً على الشهور الأخرى:
ولد الهدى فالكائنات ضياء
وفم الزمان تبسم وثناء
وهو الشاعر المصري العظيم أحمد شوقي الذي أحسن أداء تقدير للواقع الحبيب في هذا الشهر الربيع، وإن هذين الشهرين شهر محرم الحرام و شهر ربيع الأول حينما يأتيان يحصل من كل واحد منهما تذكير لما حصل فيه من أحوال مهمة في شأن الدعوة إلى دين الله الحق من فتح وظفر، يستطيع كل مؤمن بالله ورسله العظام أن يكسب في أعماله الدينية قوة وعزيمة لحياته الدينية والدعوية،وبخاصة في أحوال شديدة في طريق الأعمال للدعوة والعمل الصالح مع ابتهاج وسرور على حصول نجاح وفوز في هذا العمل الذي يحصل له وضوء تستضيء به الكائنات وتصبح النفوس مسرورة، فكل فم يبتسم على الخير الذي يحصل له.
إن رسالة شهر محرم الحرام وشهر ربيع الأول هي رسالة أداء مسئولية تقع على أفراد هذه الأمة الأخيرة للإسلام، إتماماً لقول الله تعالى “كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ” [آل عمران:110].
وامتازت هذه الأمة وهي أمة خاتم الأنبياء عليه السلام، من بين أمم العالم الأخرى بصفة كونها داعية إلى الحق، وهي أصبحت بذلك إماماً ومقتدى للإنسانية كلها، وستبقى على هذا المنصب المهم الرفيع إلى يوم القيامة إن شاء الله تعالى.
وقد جاء توضيح من الله تعالى لهذه الأمة لأداء واجبها الملقى عليها “ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ” [النحل:125-128].
وما دامت هذه الأمة متصفة بهذه الوصية تكون ناجحة وفائزة بالمرام كما ورد في كلام الله المجيد “وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ” [فصلت:33-35].
وإن عالمنا الإسلامي في أشد حاجة إلى هذه النصيحة القرآنية المهمة، وبها يأتي من الله النصر، وذلك بقوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ” [محمد:7].
الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي
الافتتاحية: (السنة:59، العدد:8)