إعادة النظر في كتب التاريخ بحسن النية تؤثر على الصلات بين مختلف الطبقات

وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
22 مارس, 2017
من الوحدة إلى التفكُّك
20 مايو, 2017

إعادة النظر في كتب التاريخ بحسن النية تؤثر على الصلات بين مختلف الطبقات

انقضى عهد الاستعمار الأوربي على العالم الإسلامي الذي لم يكن قائماً على أساس الغلبة السياسية والسيطرة العسكرية، بل كان مدعماً بالوسائل العلمية والثقافية، فقد خرج المستعمرون من سائر البلدان التي استعمروها، فلا يوجد جندي من الجنود الأوربيين في أي منطقة،ولكن بقي تأثيرهم على العقول؛ بل على نفسية سكان هذه البلدان، وخاصة على المتعلمين والمثقفين،وعلى الأخص الساسة والقادة،وذلك نتيجة لنظام التعليم والتربية الذي خطَّه المستعمرون.

وأكبر تأثير لهذا النظام التعليمي التربوي، الشعور بتفوق الغرب، وكونِه مصدر كل خير، وكان ذلك نتيجة لدعوة بعض المفكرين في العالم الإسلامي إلى تقليد الغرب في حسناته وسيئاته، وقد دعا بعض هؤلاء المفكرين إلى تقليد الغرب في العلم والفكر والثقافة، وعدم تقليده في الصناعة، لأن تقدُّم أوربا في الصناعة يكفي للدول الآسيوية، وقد أدى ذلك إلى تبعية العالم الآسيوي وفيه الدول الإسلامية، و اعتماده الكامل على منتوجات الدول الأوربية، وفيها الأسلحة ووسائل المواصلات والاتصالات، حتى المواد الغذائية والبيتية، وبذلك أصبحت الحياة في هذه البلدان تابعة للدول الأوربية.

وكل من يدرس واقع الحياة المعاصرة يجد مظاهر هذه التبعية للغرب وحتى في البلدان الآسيوية الكبرى كالهند باستثناء الصين واليابان البلدين اللذين يوجد فيهما نوع من الاكتفاء الذاتي في مجالات خاصة للحياة،ولكن في مجال الدفاع في سائر هذه الدول يوجد الاعتماد الكامل على الدول الصناعية الكبرى في العالم.

إن تأثير الدول الكبرى في العالم لا يقتصر على الدفاع والسياسة والثقافة في العالم الآسيوي الذي كانت له ثقافة خاصة ونفسية خاصة ونظام اجتماعي وخلقي خاص، بل يتعدى إلى الفكر والعقل.

وبتأثير ذلك العنصر التقليدي كان قادة الدول الآسيوية يتبعون الغرب عقلياً وفكرياً، ويصدرون أحكامهم على العمل والتصرف في السلوك والأخلاق بمقاييس الغرب حتى المصطلحات التي يستخدمها قادة الغرب بدون تفكير، ويكررون ويعيدون تلك التعبيرات كالتلقين في المستوى الابتدائي.

ومن المجالات التي أصبحت فريسة لهذا التقليد، التاريخ، فإن التاريخ الذي وضعه الكتاب الغربيون بمنهجهم الخاص هو المصدر للتاريخ في الدول التي تعرضت للاستعمار الغربي، وهذا التاريخ هو المصدر الرئيسي للشعور بالدون أمام الغرب في الدول الشرقية، وأكبر خلل يقع في ذلك هو موقف القبول والاعتراف بكل ما في هذا التاريخ من غير نقد وبحث، وهذه الكتب هي المسئولة إلى حد كبير عن الخلافات بين تلك الدول، وفي الطبقات المخلتفة في دولة واحدة.

لقد تحرر العالم الذي كان خاضعاً للسيطرة الغربية،من السيطرة العسكرية الأوربية ولكن بقي خاضعاً لها في سائر وسائل الحياة المتطورة من وسائل الاتصالات والمواصلات، بغض النظر عما ورثته الأحيال المعاصرة من الأديان السابقة في الأخلاق والمعاملات والمعتقدات وقيم الحياة في الشرق.

وأكبر مثال للتقليد الأعمى أن المصطلحات التي يستخدمها زعماء الغرب تصبح شائعة ومقبولة في النظام الشرقي ويرددها خاصة قادة ومفكرون من غير فهم، ويدل على ذلك تاريخ الماضي القريب ولا يردد قادة آسيا وأفريقيا هذه التعبيرات باللسان بل يتخذون وسائل لتطبيق هذه المصطلحات.

ومن أمثلة هذا التقليد الأعمى ربط الإسلام بالعنف، وإلصاق تهمة العنف بذات رسول الإسلام الذي هو رحمة للعالمين، واعتبار تاريخ غلبة الإسلام والمسلمين تاريخ القسوة والظلم،وبذلك يصبح كل عمل إسلامي مهما كانت نوعيته عملاً إرهابياً، سواء كانت صلته بالتعليم ورفع مستوى الحياة.

ومن هذا التقليد الأعمى أن المقلدين يغفلون تاريخ أوربا تاريخ عهد الظلام الطويل الذي يمتد على ألف سنة، وتاريخ القرون الوسطى، وتاريخ الحروب الصليبية التي دامت أكثر من ثلاثمائة سنة، وتاريخ الحروب التي استمرت في الدول الأوربية، كان فيها تاريخ حرب ثلاثين سنة،وتاريخ حرب مائة سنة، كانت دولة أوربية تغزو دولة أوربية أخرى، وعهد الاستعمار الطويل الذي قامت فيه بريطانيا وفرنسا خاصة باتخاذ سياسة القمع والجبر، وتغيير طبيعة الحياة في الدول المستعمرة، وتغيير ديموغرافية هذه الدول، وفرض معتقدات وأيديولوجيات مغايرة لطبيعة سكان هذه الدول حتى اللغات، وفرض الثقافة الغربية وطمس معالم الثقافة المحلية،و هذا العمل يجري الآن عن طريق الإعلام بعد انسحاب هذه الدول عسكرياً.

وكانت هذه الحروب بمثابة الحروب الأهلية وكانت فرنسا وألمانيا خاصة من الدول التي كانت تغير على الدول المعادية.

وأكبر دليل لذلك تاريخ الحربين الكونيتين اللتين دمرتا الإنسانية بكاملها.

وفي العهد الاشتراكي اتخذت إجراءات قاسية، وقمعت الحريات، وسلبت الحقوق،وكممت الأفواه، وفرضت نظرية خاصة وهي الشيوعية والاشتراكية.

كل ذلك يدل على أن طبيعة الغرب طبيعة الحرب كما قال شاعر عربي:

فإني لا أزال أخا حروب

فإن لم أجن كنت مجن جاني

إن هذه الطبيعة تدفع الدول الأوربية إلى إحداث ظروف لاتخاذ إحراءات عسكرية، وتفيد هذه الطبيعة في تسويق الأسلحة ووسائل الحرب والإرهاب، ثم التدخل في شئون الدول الأخرى، وتستخدم في ذلك سائر وسائل الإعلام التي تملكها لتبرير هذه الإجراءات، وتروج ما يسوغ هذه الإجراءات.

ولا تنجو من هذه الطبيعة الهند، لأن المثقفين يدرسون الكتب التي تشوه سمعة المسلمين، وتتهم حكامهم بالظلم والجبر وقمع الحريات وفرض نظامهم بالجبر وسوء المعاملة مع غير المسلمين،ولا تزال هذه العقلية الناشئة من هذه الكتب تؤثر على العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين.

فلقد ألف المؤلفون الغربيون بعد خروجهم من عهد الظلام ودخولهم في عهد العلم والبحث بجنب بحوث علمية قيمة في مجال من مجالات العلم والبحث التي أفادت الإنسانية،كتباً في الموضوعات الإسلامية وهم يحملون العصبيات التي غلبت عليهم خلال الحروب الصليبية، وأصبحت كتبهم في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي والموضوعات الإسلامية الأخرى مصدراً للعلم والمعرفة، وكان لها تأثير على أذهان الناشئين في المدارس ومراكز العلم التي انتشرت في العالم حلال الاستعمار الغربي، ولا تزال هذه الكتب تنشئ في أذهان المثقفين بالثقافة الغربية شكوكا وشبهات عن ذات الرسول صلى الله عليه وسلم، والإسلام، وقد نشأت ذهنية اعتبار الإسلام دين العنف وقمع الحريات ومعاداة كل النظام غير الإسلامي، ولهذه الذهنية والنفسية اتخذت في مختلف أنحاء العالم إجراءات قسرية لقمع العمل الإسلامي مهما كان نوعه، وخاصة ضد الحركات الإسلامية التي تعمل لرفع مستوى المسلمين وتثقيفهم بالثقافة الإٍسلامية.

وقد قام الكتاب الغربيون بالتلفيق والتزوير في العلم، ورغم شيوع البحث والتحقيق في العلم والتقدم عكفت أوربا على بعض المزعومات ولا تزال تلازمها وتتخذ سياستها حسب هذه المزعومات.

وذلك هو السبب الرئيسي للاضطراب في العالم الإٍسلامي، والحل الوحيد لهذا الوضع بذل جهود مكثفة علمية واجتماعية وفكرية لإزالة هذه النفسية نفسية العداء للإسلام وما انتسب إلى الإٍسلام.

وقد كانت المدراس والجامعات مصدراً لنشر هذه النفسية التي تعتبر إسلاموفوبيا، وقد حل محله الإعلام الذي تسيطر عليه وكالات الإعلام المعادية للإسلام والمسلمين، تقوم هذه الوسائل الإعلامية بقلب الأحداث وأحياناً للتزوير لتحويل كل حادث عنف إلى المسلمين، فصار الإسلام هدفاً لهذه الوسائل الإعلامية.

ومن المؤسف أن قادة العالم يؤيدون الدعاية المكثفة التي تقوم بها وسائل الإعلام الغربي ويعيدون أنفسهم ما تروجه هذه الوسائل الإعلامية وما يكرره قادة أوربا السياسيون، و قد قال الشاعر العربي أبو الطيب أحمد المتنبي(303 -354هـ) وهو يفتخر:

و ما الدهر إلا من رواة قصائدي

إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا