الإنسان بين الفساد والصلاح!

من تواضع لله رفعه الله
29 سبتمبر, 2019
الخط الفارق بين إنسان وإنسان!
28 نوفمبر, 2019

الإنسان بين الفساد والصلاح!

إن دراسة قليلة للحياة البشرية منذ فجر التاريخ، تفيدنا أن الضدين إذا اجتمعا في قوم أحوجاهم إلى البحث عن شخصية جامعة مخلصة، تقوم بتبيين الفرق بينهما وتعليم الناس: أيهما أنفع من النواحي الإنسانية، وكيف ينشأ التوازن بين هذين الضدين، وكيف يعالج واحد منهما بالآخر؟.

وقد صرح الله سبحانه وتعالى بالفرق الواضح بين الفساد والصلاح في مبدء سورة البقرة في القرآن الكريم حينما عبر المفسدون في الأرض عن أنفسهم بأنهم مصلحون، ولكن الله سبحانه وتعالى كذَّبهم في ادعائهم بأنهم يعملون للإصلاح والبناء، فقال: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ” [البقرة:11-12].

وبهذه الأضداد تتبين الأشياء بعضها عن بعض، ويتمثل الفرق بين معانيها ومفاهيمها، ولولا الأضداد لما تكاملت حياة الإنسان ولما عرف البشر قيمتها ولولا البشر لما تبينت فوائد الخير ومنافعها، فلم يخلق الله سبحانه الأضداد إلا لبناء الحياة، والاجتماع على أساس متين، ولولاها لم يُعرف الخط السليم المستقيم الذي يجب أن يسير عليه المرء، ولم يتجنب السير على الخط المعوج، وإذا لم يتم ذلك لم يتحقق الغرض المنشود من خلق الكائنات كلها، ومن ثم فإن الله سبحانه خلق في الكون كلا من الخير والشر، وبعث الأنبياء والرسل لهداية جوانب الكائنات بأسرها وإرشاد فروعها ومناحيها إلى معرفة ما يضر وما ينفع، وما بين البناء والهدم من فرق واضح لا يخفى على أيّ إنسان.

إلا أن ما نشاهده اليوم في عالمنا المعاصر أن التوازن بين الخير والشر أصبح شبه مفقودٍ وتغلب الفساد على الصلاح ونال الشر رواجاً واسعاً وتخلف الخير في مؤخر الصفوف، وأحياناً يختفي هذا الخير ولا يبقي له أثر ويتحول كله إلى شر وشر، ولعلاج هذا المستوى الداني الحقير يأتي دور الدعاة والمصلحين الذين يستمرون في مجال الإصلاح واستبدال الفساد بالعدل والحق، وأداء الواجب الإنساني ووقاية البشرية من الاتجاه إلى جهات لا تغني عنها شيئاً وتحرمها من تلك المكانة العالية التي نالتها من رب العالمين، وقد تحدث في كتابه العزيز الكريم قائلاً ومخاطباً أفضل خلقه الإنسان، ومذكراً بنعمته عليه: “يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ” [الانفطار:6-12].

أو ليس الشطر الثاني من الآيات المذكورة يشمل ذلك الفرع من الناس ممن يكذبون بدين الله ويسخرون منه، ولكن عملهم المنكر لا يخفى على الكرام الكاتبين الذين يسجلون كل صغير وكبير وحسن وسيئ من نشاطاتهم، وهكذا فإن الكاذبين والساخرين يلقون قريباً جزاء نشاطاتهم الكاذبة التي لا علاقة لها بذلك النوع من عباده الذين يفكرون في الغاية الأصيلة التي خلق من أجلها الإنسان وبعث إلى هذا العالم البشري منذ سيدنا آدم عليه الصلاة والسلام، وقد صرح الله سبحانه بهذين النوعين كليهما وأخبر بجزاء كل واحد من النوعين:

“فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى” [النازعات:37-41].

فلنسارع إلى جنة عرضها السماوات والأرض، أعدها الله تعالى لعباده الصالحين.

(سعيد الأعظمي الندوي)