عصرنة الحياة والمجتمع

بين الأسلمة والعصرنة
27 أكتوبر, 2018
كيف يمكن استبدال الشقاء بالسعادة
1 ديسمبر, 2018

عصرنة الحياة والمجتمع

كان قد جرى الحديث في الحلقة الأولى حول التغيرات الحضارية والاستفادة منها حسب ميول زعماء الحداثة ممن يزعمون أن الأمة الإسلامية تأخرت في كثير من مجالات العلم والإبداعات الحديثة،ولم تعد تصلح للقيادة جراء هذا التأخُّر المشين في قبول ما جدَّ وحدث في العالم الجديد من اتساعات كبيرة في العلوم والصناعات واكتشافات علماء الطبيعة بأسرار الكائنات الظاهرة منها والخفية، إن العصر الحديث يدعو أمة الإسلام إلى قبول التقنيات الجديدة وإدخال آراء أهل الإبداع في تغيير أساليب الحياة الفردية والجماعية في ضوء ما وصل إليه الغرب من تطوُّرات هائلة مع الخروج عن الخط القديم والالتزام بالخروج منه إلى الحديث الأحدث في جميع الأحوال والظروف، والتطلُّع إلى شرعية المتطلبات المعاصرة، وصوغ العالم البشري في قالب من العصرنة.

هذه المرئيات وإن كانت ليست جديدة ولكنها تُفرض الآن بقوة وتهديد، ويتفق دعاتها مع استغلال كل الوسائل السياسية والاقتصادية من عوامل التخويف والتشديد لإزالة هيبة الدين والإيمان من القلوب، وتأكيد أن الإسلام القديم لم يعد صالحاً للمسايرة مع العصر بدعم الشريعة القديمة وتطبيق أحكامها على المجتمع الإنساني، ويستدلون على ذلك بضعف المسلمين وتأخُّرهم في مجال العلم والتفنية، وفرارهم عن تقليد أهل الغرب في المعايشة والمعاملات الحيوية من الاقتصاد والتفاعلات التجارية مع المراكز العالمية والقواعد الحضارية الكبرى التي تشرع السنن للحياة التي تنسجم مع الظروف الحضارية التي يعيشها الناس، وبالنظر إلى أهميتها لا يستغني عنها إنسان هذا العصر ولا يمكنه التحاشي عن أيّ جزء منها لكي لا يعيش في عزلة عن المجتمع،فيُحرم نعمة السعادة والأمن والرخاء.

ومن خلال هذه الحقيقة التي لا يكاد ينكرها أحد، يستوجب العصر الراهن أن لا يتناسى أي عضو من المجتمات البشرية أن يبخل أو يبذل في الاستمتاع من نعم الحياة والمسايرة مع العصر في جميع مرافقه وحاجاته، إن هذه النظرة القاصرة نتاج غفلة يعيشها الإنسان نحو مستقبله القادم الذي يواجه فيه حياة جديدة تفتح فيها سجل الحساب عما عمله في الدنيا مع احتظائه من نعمها ولذاتها، ظنا منه أن ليس هناك ما يحدث من أوضاع حياة جديدة بعد هذه الحياة التي هي الأولى والآخرة، فلابد من الاستمتاع بمتاع الدنيا كله وانتهاب اللذات بجميع أنواعها، ولا مناص للإنسان العاقل من عصرنة الحياة وصبغها بجميع الأصباغ ذات اللذات والمتع من غير انتظار أو تأخير،وهذا هو الظن الخاطئ والزعم الناقص الذي صبغه بصبغة الطغيان والنسيان، يقول الله تعالى:” كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ” (العلق:6-8).

إذن فإن العصرنة هي الطغيان، وإنها لهي الغفلة والنسيان، ليست متعتهما إلا قصيرة كطرفة عين فقط،وإن اللذة الدائمة والراحة الخالدة متوفرتان في مستقبل الحياة وفي الحياة بعد الممات، في النعيم والجنات، وفيما لم تره عين قط، ولا سمعت به أذن، ولا خطر على قلب بشر، فلا ملجأ من الله تعالى إلا إليه.

“خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ” [الأنبياء:37].

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

(سعيد الأعظمي الندوي)