دور الإعلام في حياة الإنسان!

بين موضوعية التعليم والمتعة التجارية
7 يوليو, 2018
فلسفة الجرائم الحضارية تبحث عن ماوى!
7 أغسطس, 2018

دور الإعلام في حياة الإنسان!

منذ أن توسعت المجالات الإنسانية للعمل في بناء الحياة والمجتمع توافرت وسائل التواصل والترابط من خالق السماوات والأرض، وقد استخدمها الناس في جميع الأعمال والنشاطات التي تقرب المرء إلى معرفة الخلاق العظيم، وتمهد له الطريق نحو الاتصال به من خلال العبودية الخالصة التي هي الغرض الرئيس لخلق الجن والإنس، ولنيل هذا الغرض وتحقيق هدفه في الحياة والكون وتربية هؤلاء  الناس على صالح الأعمال التي يرضاها الله ورسوله، من عباده المخلصين، قام علماء الإسلام والدعاة إلى دين الله تعالى بجهود مخلصة حتى وُجِد هناك عالم جديد من العلم والهدى، اجتمع أهله على الخير والنصح يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، وسماهم الله سبحانه بخير أمة أخرجت للناس، ظلت نموذجاً للعالم البشري بصفة دائمة، وأسلوب واضح لبناء الحياة الإنسانية على أسس سليمة متينة لا تقبل أي بديل مهما حاول المغرضون وبذلوا في سبيل ذلك طاقاتهم المادية والسياسية، وادعوا أن حضارة العلوم والصناعات ومجتمعات المدنية والثقافات لا تقبل البقاء على القديم،و تتطلب تقدم الإنسان وازدهاره في العالم الحديث استجابة للتطورات العلمية والحضارية.

ولم يعرفوا أن السعادة والحضارة خلقهما الله سبحانه الذي خلق الإنسان وعلمه جميع أساليب العيش في هذه الدنيا ومهد له الطريق نحو العزة الدائمة والسعادة القائمة في الآخرة التي يواجهها ويحاسب فيها ما عمله وعاش فيه في دنياه الفانية، كانوا يقولون: ” أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ” حتى بلغوا من التعجب إلى آخر المدى في قضية البعث ونسوا أنهم خلقوا ولم يكونوا شيئاً، ولتذكير الإنسان بهذه الحقيقة أرسل الله تعالى جماعات من الأنبياء والرسل، أرسل موسى وإبراهيم ونوحاً عليهم السلام ممن بذلوا جميع وسائلهم وطاقاتهم في دعوة الناس إلى الله تعالى والإيمان بالخلق والأمر، ولكن قومهم أبوا وقال قوم نوح: “أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ” [الشعراء:111] ولكنه ظل يدعوهم إلى الإيمان والخضوع أمام تعاليمه إلى مدة طويلة، وأخيراً هددوه وقالوا: “لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ” [الشعراء:116] وهنالك ابتلعهم الطوفان ولم يتمكنوا من الفرار فأغرقهم الله تعالى إلا عدداً من المؤمنين الذين كانوا معه في السفينة، دون غيرهم، وإن كان من أقرب قرباه كما هو معلوم.

كل ما حدث في التاريخ القديم وما حدث مع رسولنا العظيم خاتم النبيين من مخالفات ومعاداة إنما كان نتيجة كفران النعمتين، نعمة الإنسانية ونعمة الإسلام، وقد خلد الله سبحانه وتعالى هاتين النعمتين مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أرسله الله تعالى للعالمين إلى يوم الدين، وأنزل إليه الكتاب وعلمه سنة الحياة والإنسان والكون، وأعلن أن الدين عند الله الإسلام، فكان إعلاماً بأن ليس هناك نظام ولا فلسفة ولا حضارة تضارع الإسلام الذي يشمل الحياة ويحتوي على جميع قضايا أفضل الخلق الإنسان الذي جعله خليفة في الأرض، يقوم بتعليم الناس مفاهيم الحياة الفردية والجماعية ومعاني الحضارة والمجتمع ويعرّفهم الهدف الأسمى الذي خلق الله سبحانه من أجله هذا العالم البشري.

وقد تلقى النبي صلى الله عليه وسلم الأوامر والنواهي بطريق الوحي وتولى إبلاغها بواسطة الإعلام، الذي عبر الله سبحانه عنه بالبلاغ، فقال في سورة يس يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم: “وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ” [يس:17] وأشار بذلك إلى استخدام جميع الوسائل التي تحقق البلاغ المبين، ويسر الله سبحانه هذه المهمة الإنسانية من الدعوة إلى دين الله تعالى والتربية الإسلامية الأصيلة، وتبليغ دين الله وأحكامه وشرائعه بكل وضوح وتفصيل حتى تكونت أمة الإسلام وحظيت بمؤهلات سماوية جليلة وقامت بهذه الأمانة بكل وسيلة تيسرت لها، وبكل ذريعة قدرها الله تبارك وتعالى من خلال كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وقد تمسك علماء الإسلام ودعاته بوسائل البلاغ والإعلام، سواء باللسان والقلم، على أوسع نطاق، ومن طريق الخطابة والكتابة توصلوا إلى أساليب إيجابية كثيرة منها الصحافة والإعلام، ومنها مجالس الدعوة والإرشاد، ومناسبات التوجيهات الإسلامية التي تتم عن التواصل الاجتماعي واللقاءات الشخصية، وبواسطة مراكز التعليم والتربية من المدارس والجامعات والمؤسسات الدينية.

وبالمناسبة يسرني أن أبدى إعجابي وسروري ببدء العام الستين لرائدنا العزيزة، تلك الصحيفة العربية المتميزة التي أنشأها سماحة العلامة شيخنا السيد محمد الرابع الحسني الندوي، وكان العاجز الضعيف كاتب هذه السطور عاملاً في الصحيفة كخادم مساعد له، ومنذ ذلك الحين يُوفق إلى شحن عمود لها بعنوان “كلمة الرائد” بكلمة صغيرة، والحمد لله على أن “الرائد” مستمرة في أداء رسالتها منذ نحو ستين عاماً، ونرجو الله سبحانه أن يبارك في عمرها لكي تظل مستمرة في عملها الصحفي كرائد متميز بمشيئة الله تعالى، وهو يقول:

“وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ” [التوبة:105] والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

(سعيد الأعظمي الندوي)