وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين! (1)

حب الله تعالى باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم
18 ديسمبر, 2019
وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين! (2)
16 فبراير, 2020

وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين! (1)

إن دراسة سريعة لأحوال الأمة الإسلامية اليوم في العالم كله، تتلخص بضعف كيانهم وتفكك أجزاء الوحدة التي كانت تربطهم برباط واحد، وقد تمثل ذلك في كل ما يتصل بتعاليم الإسلام التي تحيط بحياة الإنسان من جميع النواحي، وفي كل قضية سواء كانت علاقتها بشؤون العيش المادي أو كانت ذات علاقة مخلصة بالعقيدة الخالصة، وأمور ما بعد الحياة من الحساب الذي مبدؤه من حفرة القبر إلى دار الآخرة، ولذلك فقد لفت الله سبحانه وتعالى أنظار أصحاب الإيمان والعقيدة إلى تقوى الله حق تقاته، وطلب منهم أن لا يتناسوا يوم القيامة، يوم لا ينفع مال وبنون إلا من أتى الله بقلب سليم “وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” [الحشر:19].

ولكن الواقع الذي تعيشه هذه الأمة المتميزة أنها وقعت فريسة النسيان والغفلة عن المكانة العالية التي أكرمت بها، وحرمت نعمة الفرقان بإزاء التقوى، وبشرط أن تمثل هذا النموذج في كل عمل ونشاط، بل في كل لحظة من النوم واليقظة، فإذا تحقق فيها هذا الشرط الأساسي برزت على البساط العالمي كأمة تقود الإنسان وترشده إلى قيادة الأمم والشعوب بكاملها، كما صرح بذلك الله سبحانه في كتابه فقال: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ” [الأنفال:29]. ومن هنا تحقق أن الإعلان بالإيمان وحده لا يغير في شيء،ولا يثمر العلم والغلبة بل لابُدَّ من قوة التقوى السائدة على كل شيء صغير أو كبير، وكل حال من الشدة والرخاء والأمن والخوف، ولذلك كانت الوصابة بتقوى الله تعالى بعد قبول العبودية لله تعالى وإسلام النفس للخضوع أمام أوامر الله سبحانه ونواهيه من خلال التعاليم التي أنزلها سبحانه عن طريق نبيه خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا” [الأحزاب:45-46].

لو أننا ذهبنا إلى التفتيش عن أحوال أفراد يزعمون أنهم مسلمون أو يدعون بانتمائهم إلى صف المسلمين، لأدركنا أنهم ليسوا إلا أناساً يتظاهرون بلباس المسلم الواعي الصادق إلا أن الواقع يكذب ذلك، ويبين أن حياتهم إنما كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء وليس بماء، ولولا أن الحقائق الإيمانية التي تتمثل في الصادقين المتصلين بالله تبارك وتعالى والمتوكلين عليه، لكنا قد فقدنا الشعور الخالص بأن الإٍسلام هو الدين الخالد الباقي إلى يوم القيامة وأنه هو الدين الحقيقي الذي أكده الله سبحانه وقال: “إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ” [آل عمران:19].

فهل هناك من يثير الشكوك في الأذهان حول واقع الدين وأصالته ونقائه “كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى” [العلق:6-12].

ومن خلال هذا التأكيد الرباني نستطيع أن نرى الإنسان الطاغي المستغني عن أوامر الله وتعاليم الدين، المتناسي حقيقة الرجوع بعد الموت إلى الرب تبارك وتعالى، والحائل دون أداء حقه! ليته كان متمسكاً بذيل الهداية والتقوى لله تعالى! وما أكثر هذا النوع في عصرنا الحاضر بين بني البشر ممن يعيشون حياة شبيهة بحياة الإنسان ولكنهم لا يحبون أن يتعلموا دروس الإنسانية ويتمنون أن لا يموتوا أبداً وينشروا فسادهم وشرهم من غير حياء وبوقاحة منعدمة النظير بصورة متميزة، وقد سبق أن الله سبحانه أشار إلى أمثالهم في كتابه العظيم فأنزل سورتين في آخر كتابه تعرفان بسورتي المعوذتين يقرؤهما القراء المسلمون بالتدبر في معانيهما، وقد أمر فيهما رسولنا العظيم صلى الله عليه وسلم بالتعوذ بها من كل شر يوجد في الكائنات سواء يتعلق بالسماء أو بالأرض أو بالكواكب أو بالجن والإنس، ولذلك فإن من يخاف الموت ويتمنى أن يخلد في الأرض للإسهام في كل شر والاستغلال في مصالحه ونشر الفساد والطغيان في أرض الله تعالى إنما ينطبق عليه قول الله تعالى “كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى” [العلق:6-7].

(سعيد الأعظمي الندوي)