أين ألوهية كاذبة من قدرة الله العزيز العليم

كيف يمكن استبدال الشقاء بالسعادة
1 ديسمبر, 2018
مهمة الإعلام الاجتماعي
2 يناير, 2019

أين ألوهية كاذبة من قدرة الله العزيز العليم

كل ما يجري في هذا الكون الهائل من تصرفات وقدرات إنما تنبع من منابع القدرة الكاملة الدائمة الخالدة التي يملكها الخلاق العليم الذي يسع كرسيه السماوات والأرض، وقد وصف نفسه في كتابه المعجز فقال “اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ” [البقرة:255]، كيف تتجلى عظمة الخلق والعلم وآيات القدرة التي يعجز البشر وكل من يستطيع أن يكون ضمن آية من قدرة الله تعالى من إنسان أو غيره سواء كان يتمتع بالحركة والنشاطِ والحياة أو كان جامداً صامتاً إنما يعجز عن إدراك أي شيء من هذه المجموعة الهائلة من الطاقات الإلهية، وقد يمر الإنسان بهذه التجربة على جميع مستوى الخلق والأمر ولكنه سرعان ما يتناسي ذلك، ويشتغل بما يعارض العبودية ودافع الخضوع أمام قدرة الله تعالى وذكره، والاتصال بمعاني الإيمان الخالص والتورع في مباشرة شئون الحياة واعتبار نفسه أقل من ذرة حقيرة من تراب الأرض.

فيؤدي دور فرعون حيناً وكان من أقوى الناس جميعاً في التملك بالقوة المادية والوسائل والطاقات من كل نوع في عصره، وكان يعتبر أن الدنيا كلها تحت قدميه فيستطيع أن يفعل ما يشاء، ويقدر على الموت والحياة ولكن مصيره معلوم لدى العالم كله ومسجل في تاريخ جبابرة المعمورة والطغاة كيف غرق في النيل وكان يتبع نبي الله تعالى موسى عليه السلام ليقتله فلم يستطع أن ينقذ نفسه وجنده، وأخرجه الله تعالى جثة ميتة لكي يكون عبرة دائمة للعالم كله ويتفرج الناس عليها في متاحف مصر، وكذلك كل ظالم مصيره ليس خافياً على ذوي العلم والاطلاع.

وهناك جانب آخر بإزاء هذا الطاغية الذي ادعى الربوبية فنال مصيره المشئوم في كل مكان، وذلك لمن آتاهم الله تعالى العلم وفضلهم على كثير من عباده المؤمنين، ومنهم داؤد وسليمان عليهما السلام أكرمهما الله تعالى بالنبوة والعلم فكان داؤد عليه السلام علمه الله تعالى صنعة لبوس خاص، وورث سليمان داؤد فعلمه الله تعالى طريق الحكم على الجن والإنس والطير والعلم بمنطق الطيور وعلم كل شيء، كما قد صرح الله تعالى بذلك في كتابه فقال: “وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ” [النمل:16] فكان من نتائج ذلك أنه كان يحكم على ما لم يتمكن به أحد من العلماء والملوك، فلما أخبره “الهدهد” بالمملكة الواسعة التي كانت امرأة (بلقيس ملكة سبا) تملكها، وبعرشها العظيم، ولم تكن تتمتع بالإسلام بل كانت من عبدة الشمس، وجه إليها كتاباً بالدعوة إلى الإسلام، فعقدت مجلسا للشورى في شأن قبول الدعوة فأشار عليها أعضاء المجلس بمقاومة سليمان إذ لا تنقصهم قوة الملك والمال، ولكنها أبت وأرادت أن تقدر قوة سليمان ونواياه بإرسال هدية إليه، ولكنه رفضها وقال: “أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ” [النمل:36] وهددها بالحرب ضدها وإخراجها من مملكتها، فاستأذنت الحضور إلى ملك سليمان وقبل أن تصل إليه أحضر عرشها أحد الجنة الذي كان يتمتع بعلم من الكتاب، وهنالك رأت العرش وعرفته، وعرفت أنها لا تستطيع أن تصمد في وجه سليمان لمحة واحدة ولم تتأخر بعد ما دخلت الصرح وحسبته لجة من الماء وكشفت عن ساقيها واعترفت بضعفها وقلة فهمها، رغم تملكها كل شيء من الجنود والملك والمال فلم تتأخر نحو إعلانها بالإسلام لله رب العالمين.

فلا يغرن الناس ولا فئة أو جماعة أو ملكاً أو حاكماً أو وزيراً أن تكون كلمته عالية بقوة الحكم والجند والسلاح والمال، بل ولابد أن يهزمه أضعف شيء من خلق الله تعالى بأمر منه وفي أقل وقت.

في عالمنا اليوم حكومات ودول تُعرف بالتقدم الهائل في العلوم والصناعات والتقنية والإبداعات من القوة والمال وهي تعيش أحلاما من الانتصار على العالم كله، واستعباد البشر كلهم، ولكنها تتناسى أن هناك قوة لا تضاهيها أي قوة وأن هناك يداً متصرفة لا تساويها طاقات كونية ولا تقوم أمامها جنود مجندة للمحة واحدة، وإذا تجمعت جميع ما في الكون من خلق أو قوة بأنواعها وكمياتها وقدراتها فلا تتمكن من نقل ذرة من مكانها ولا تحويل نقطة من محلها، فلنقرأ الآن مرة ثانية “اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ” [البقرة:255].

(سعيد الأعظمي الندوي)