إما شاكراً وإما كفوراً

فلسفة الجرائم الحضارية تبحث عن ماوى!
7 أغسطس, 2018
العلم حاجة إنسانية لا مناص منها
11 سبتمبر, 2018

إما شاكراً وإما كفوراً

خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان من نطفة أمشاج لكي يبتليه، وأكرمه بالسمع والبصر، وهداه إلى سبيل الحياة في عالم الكون، وفتح له طريقين من الشكر والكفر، فمن عرف معنى الشكر وخضع أمام ربه واستسلم لأوامره وبحث عن جميع مناحي الشكر والامتنان فقد أدرك حقيقة الإنسانية،ومثلها في أعماله ونشاطاته، واتصل بربه تعالى من غير غفلة أو نسيان بالطاعة الكاملة والامتثال المطلوب، فذلك ما يعبر عنه بالتقوى “وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ” [الطلاق:2-3]، وكلما فاز المرء بهذه الميزة العظيمة كان أعز الخلق كله وأكرم الناس كلهم “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” [الحجرات:13] ومن ثم يمكن تمثيل النموذج الإنساني بالغاية المطلوبة، وتكون حياة الإنسان قدوة للآخرين في الجمع بين العلم والعمل وبين الإيمان بالله ورسوله والاستقامة عليه، فقد جاء فيما رواه الصحيحان عن سفيان عبد الله حينما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمل يدخله الجنة،لا يسأل عنه غيره،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “قل آمنت بالله ثم استقم” أفاده صلى الله عليه وسلم بأن الاستقامة على الحق إنما هي الركيزة الأساسية التي يقوم عليها صرح حياة المسلم، ومنها تتفجر ينابيع الطاقة الإيمانية التي لا تقوم في وجهها أي تيار مضاد مهما كان عنيفاً، وواسع الأرجاء، والمهيمن على الوسائل والطاقات المادية، والتمسك بها بأيد من حديد، لقد كانت الاستقامة على الحق والطاعة الكاملة بعد الإيمان الراسخ من أكبر علامات السعادة والكرامة، ومن أهم علامات العز والسيادة في الدين والدنيا جميعاً، وقد صمد على هذا الطريق الواضح ا لمبين السابقون الأولون من المؤمنين.

ولكن الذي يؤسف له أن أمة الإسلام انصرفت عن هذه الخصيصة إلى أكبر حدّ، وتجرد المسلمون عن هذه الميزة الإيمانية، وتركزت عنايتهم على الأقوال والأشكال وعلى المظاهر والقشور، وانصرفت هممهم إلى ادخار الأسباب والوسائل المادية فحسب، حتى تداخل في نفوسهم الخوف والحزن بالعكس مما كانوا عليه في قوله الله تعالى “فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ”.

ومنذ أن تمثلت في جماعات من المسملين بوجه عام أشكال من الخوف والحزن باتوا يعيشون على هامش الحياة، ويناصرون مناوئي الإسلام، ويضمون أصواتهم إلى أصواتهم فيما يتصل بزعزعة قوة الإيمان والعمل الجاد في نفوسهم وفي مظاهرهم، ونرى في كثير من مجتمعات المسلمين من المآسي والمناكير ما يجرح قلوب أهل الإيمان واليقين، ويسد عليهم منافذ الدعوة والفكر الإسلامي، ويعكر صفو الحب والإخلاص ( وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ) [النحل:9].

أما طريق الكفر فحقت على أهل هذا الطريق الضلالة،والانحراف عن قصد السبيل فلا يؤثر عليهم قول ولا عبرة مهما بذلت لهم أساليب النصح والخير، وفتحت طرق العز والكرم، ومهما وجهت إليهم الدعوة من النصح والهدى والنصر والسعادة، ولكن الكفر قد أعمى قلوبهم، والطاغوت سدّ عليهم طريق النجاح والنجاة، فحقت عليهم الضلالة فهم لا يهتدون.

فهل نحن من أولئك الذين خلقهم الله سبحانه وتعالى لإعلاء كلمته و رفع دينه؟ فأين نحن ممن أكرمهم الله سبحانه بتقواه وبشرهم بذلك فقال: “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” [الحجرات:13] وكيف تكون حياتنا في سبيل الله، وقد تجافينا سبيل العز والنصر والإخلاص وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله” وسئل عن أكثر ما يدخل الناس الجنة فقال: تقوى الله وحسن الخلق، وعن أكثر ما يدخل الناس النار: فقال: الفم والفرج.

إلى أي مدى نحن المسملين نراعي هذا الأمر الاجتماعي المهم الذي صدر من لسان رسول الله صلى الله عيله وسلم، ولا ريب فيما إذا كنا نعيش اليوم متناسين تقوى الله وحسن الخلق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، وأصبحنا في غفلة أي غفلة من حفظ اللسان وصيانة آليات الشهوات والفواحش ووضعهما في المحل المسموح، حيث يعود ذلك نوعاً من تقوى الله وطاعة له، فضلاً أن يكون ذنباً أو معصية لله تعالى.

ومن هنا نتساءل عما إذا كان المسلمون اليوم يقدرون على لسانهم ولا يستعملونه إلا فيما يرضى الله ورسوله؟ أو أنهم يصابون في ذلك بزلل وسوء استعمال في المعاصي، والمنازعات القبلية والاجتماعية، وفي السبائب والشتائم، وفي الاغتياب والنميمة، وفي التفريق والتمزيق، وكذلك إذا وضعنا طاقتنا الجنسية المستترة والسرية في غير محلها، وصدر منا ما يشير إلى مخالفة أوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلنخش على مصيرنا الذي هو أسوأ عاقبة في الدنيا والآخرة.

أ لسنا نشاهد بأم أعيننا ما يواجهه الناس اليوم من ذلّ ومهانة على أيدي الآثمين الفجار والمحاربين حسن الأخلاق، ومن خلال الناشرين ألواناً من الفساد في الأرض والله لا يحب الفساد في الأرض لأن ذلك أكبر جريمة لا تغتفر. ( والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) .

(سعيد الأعظمي الندوي)