معوقات عن تمثيل الدين الكامل

الدين الكامل في بناء العالم البشري!
18 سبتمبر, 2017
حاجتنا إلى الإيمان والاستقامة
17 أكتوبر, 2017

معوقات عن تمثيل الدين الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم

معوقات عن تمثيل الدين الكامل؟!

كيف يمكن أن يشعر المسلمون بنقص الحياة التي يعيشونها في ديارهم وأوطانهم، ويتأكدوا أن لا شأن للمسلم مالم يمثل النموذج الأمثل للدين الكامل، ولعل ذلك هو السبب الحقيقي فيما يواجهونه من أوضاع شاذة وتلاحقهم اتهامات من كل نوع من الجنايات والعنف وعدم التحمُّل، والجرائم الخلقية والسياسية ذات ألوان وأنواع، وقد لا يتبادر إلى أذهاننا نحن المسلمين أن العامل الأصيل في تخلفنا في جميع شؤون الحياة المرضية، وتجرُّء الآخرين علينا واستهدافهم إيانا بالتطرُّف والإرهاب،إنما هو الاقتناع بالنقص .

لماذا يتربص المجرمون والمرتزقون بالمسلمين الدوائر، فكلما سنحت لهم فرصة انتهزوها في نشر القلق والفوضى في المجتمعات التي يعيش فيها المسلمون، أو تكون فيها أغلبية مسلمة، أما الأقليات المسلمة فإنها لا تتمتع بالأمن والهدوء في بلدها الذي هو مولدها ومسكن آبائها وأجدادها من قديم، فهي لا تجهر بإسلامها، ولا تقوم بأداء واجبها الديني بكل حرية؛ بل تلامسها المخاوف دائماً، ومع ذلك فلا يكون لديهم شعور بإنجاز الأعمال والنشاطات التي تميزهم عن غيرهم بطريق كامل، رغم أنهم معروفون بالإسلامية؟!

أرى أن السبب الوحيد في مثل هذه الأوضاع هو فقدان الميزة الإسلامية وبذل محاولات في إخفاء السيرة والشارة التي يتميز بها المسلم عن غيره، أو كما يقال: إخفاء الهوية في كثير من شؤون الحياة الاجتماعية والفردية، وقضاء وقت العمر الفاني من غير برمجة أو تحت نظام حيوي، وذلك ما يؤدي إلى فوضى من الأمر، والفرار من معترك الحياة، ويصعب على المرء أن يعلن إسلامه عملياً لأنه يخاف ضرراً أو حرماناً من بعض المنافع التي يتوقعها من أفراد المجتمع المتحرّر، ولعل المسلمين في فجر الإسلام عندما كانوا قلة قليلة يعيشون مثل هذه الظروف من الخوف والضياع، فكانوا يسدلون الستار على ما كانوا يسرونه من أعمال العبادة لله تعالى، ويتظاهرون بأنهم ليسوا إلا مع قومهم، وقد كان كفار قريش يطالبون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعبد هو أصنامهم مدة، وهم يسيرون معه في عبادة الله مدة، كانوا يريدون منه صلى الله عليه وسلم التنازل عن عبادة الله الواحد لمدة سنة وهم سيفعلون كذلك، فثار على هذه المطالبة الجائرة غضب الله تعالى ومن ساعته أمر رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بالمجاهرة بما يعبده هو ويؤمن به من غير خوف أو تردُّد، وأنزل سورة كاملة بالجهر بعبادة الله وإنكار عبادة الأصنام، فقال: “قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ” [الكافرون:1-6].

يبدو كأن المسلمين أيام ضعفهم العددي وكثرة عدد المعاندين كانوا يتسترون وراء المصلحة الدينية، ولا يجاهرون بأعمالهم الدينية خوفاً ممن كانوا ضدهم ويتربصون بهم الدوائر، ولكن الله سبحانه وتعالى لم يرض بهذا الأسلوب، وأمر بمجاهرة أمر الدعوة، والدخول في الإسلام،وإعلان العبادة لله تعالى بكل صراحة، وأن لا علاقة لهذه العبادة الدائمة القائمة المستمرة بما تعبدونه، ولا صلة لديننا بدينكم في أي حال “لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ” [الكافرون:6].

هذا هو المعيار الحق لجميع من دخل في الدعوة سواء في جو صالح آمن، أو في بلد أغلبيته لغير المسلمين، وممن يتعصبون ضد المسلمين، يجب أن يجاهر فيه أصحاب الدين الإسلامي بعبادتهم وكلمة الإسلام التي هي أساس الإسلام، والتي تنطلق منها عقيدة التوحيد والإيمان بالله والرسول صلى الله عليه وسلم .

وكلما تغافل المسلمون في أي مكان وإن كانوا أقلية قليلة عن أداء الواجب الديني خوفاً من جيرانهم أو أغلبية من غيرهم، وتكاسلوا في أداء أمانة كلمة الإسلام والدعوة إلى الخير فطالما واجهوا ظروفاً صعبة قد تضيق عليهم الخناق وتحيط بهم قضايا ومشكلات يتعسر الخروج منها، ولقد سجل التاريخ الإنساني والإسلامي أمثلة كثيرة من مثل هذا الواقع، وما حدث في بورما (ميانمار) في أقرب الأيام المنصرمة، ليس بمجهول، إنها كارثة مأساوية لا يوجد لها نظير في تاريخ من الماضي القريب، فقد فاقت المآسي التي شهدها التاريخ الإنساني وسجلها في العراق والشام حيث لم يعد هناك ما كان مفخرة عظيمة من العلماء والمدارس والجامعات والآثار العلمية ومن مراكز الدعوة والتعليم والتربية الفذة والإنجازات الدينية والخدمات الإنسانية على جميع المستويات، وصيانة التراث العلمي والتاريخي المشرق (وحدث عن البحر ولا حرج).

وكذلك في كثير من بلدان العالم اليوم يواجه المسلمون من أحوال شاذة وأوضاع صعبة، وليس الواقع أنها عامرة بضعاف الإيمان والعقيدة وبالكثرة الكاثرة ممن يجهلون العلم والدين ومعاني الأخلاق والإنسانية،ولا توجد فيهم سمة من الدين والغيرة، بل هناك رجال يتميزون بالدين والأدب والخلق ويعتبرون رموزاً في الإيمان بالله وفي مجال التربية الإسلامية إلا أن عقاب السماء إذا نزل بالمجرمين وأصحاب الفساد والجرائم الإنسانية فإنه لا يميز بين المجرم والمؤمن، وخاصة إذا عمت المعاصي في قوم،ولم يوجد هنا قلق على ذلك، ولم يقم أصحاب العلم واليقين بصد المعاصي، ولم يواجهو العصاة المجرمين بالمنع عن ارتكاب المعاصي، فإذا بالنوازل والعقابات تحيط بالمجتمع كله والمناطق كلها في شتى الأشكال والصور وتأتي على كل رخيص ونفيس وعلى كل رطب ويابس.

والأمثلة على هذه الكوارث والمصائب المفاجئة كثيرة في المناطق التي تعم فيها المعصية، والجهر بارتكابها من غير حشمة ولا عار “وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ” [النساء:14].

وجاء في سورة الروم قوله تعالى: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” [الآية:41].

والآيات في هذا المعنى كثيرة معلومة وقد تحدث علي رضي الله عنه عن الآية الأولى فقال ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله عز وجل وحدثنا به “رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: “وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ” [الشورى:30]” وسأفسرها لك يا علي! ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم.

وقال الحسن البصري رضي الله عنه: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده! ما من خدش عود ولا اختلاج عرق، ولا عثر قدم إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر.

وعن الضحاك رضي الله عنه قال: ما نعلم أحداً حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب، ثم قرأ الضحاك “وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ” [الشورى:30]، ثم يقول الضحاك: وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن، وقد تكون العلة في الحوادث والمصايب غير ما ذكرت ولا يبتلي بها العامة وحدهم، بل تصيب الأنبياء والأبرياء أيضاً، وإنني في هذه المناسبة لا أتعرض لشرح هذه الآيات، والأحاديث، حتى أحتاج إلى ذكر الاحتمالات، والإشكالات الواردة عليها، وإنما أريد الإشارة إلى تلك القوانين والأسباب التي تشير إليها الأحاديث الآنفة الذكر، ومن قوة هذه الأسباب قد يصيب ضررها بعض من لا علاقة لهم بهذه المعاصي، وقد جاء في حديث عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف “قالت: قلت يا رسول الله: أ نهلك وفينا الصالحون؟قال: نعم إذا ظهر الخبث”([1]).

سعيد الأعظمي الندوي

[1] – هذه المقطوعة مأخوذة من كتاب” أسباب سعادة المسلمين وشقائهم” لعلامة الهند المحدث الكبير شيخ الحديث محمد زكريا الكاندهلوي رحمه الله تعالى.