لا تفسدو ا في الأرض بعد إصلاحها

كيف يكون المرء أكرم الخلق؟!
29 مارس, 2018
التميز الإسلامي، والجهود المضادة!
24 مايو, 2018

لا تفسدو ا في الأرض بعد إصلاحها

بسم الله الرحمن الرحيم

لا تفسدو ا في الأرض بعد إصلاحها

الفساد في الأرض وسفك الدماء من غير حق طبيعة بني آدم إذا لم يتلقوا تعاليم الخلافة ومطالبها ولم يدرسوا حقيقة الحياة الإنسانية وقيمة وجودها لبناء هذا العالم، وقد نظم الله سبحانه لشرح هذه التعاليم وبيان حقيقة الحياة والإنسان بعثة الأنبياء والرسل على اختلاف الزمان والمكان، فعُرف إبراهيم السلام بدور عظيم مثالي لا ينساه تاريخ الدين الإبراهيمي الذي كان يتميز بتوحيد الرب تبارك وتعالى، وقد أعلن مدوياً مجلجلاً في الأوساط الوثنية والبيئات الصنمية، وفي مراكز نحت الأصنام وفي أسواق البيع والشراء ومتاجرة الشرك ومحاربة التوحيد فقال: “إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ” وعبر الله سبحانه الشرك بالظلم، فقال: “إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ”، وقال “إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلِكَ لِمَن يَشَآءُ”، وقال تعالى: “الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ”.

كلما ضعفت عقيدة التوحيد وتسرب إليها شيئ مما يشبه الشرك أو يؤدي إلى شرك جلي أوخفي، ويكدر صفو التوحيد والتوجه الكامل إلى الله تعالى، أنتج نوعاً من الفساد قد يكون محدوداً بادئ بدء ولكنه يتسع على مر الأيام إذا كان المرء لم يشعر به وعاش في غفلة ونسيان، حتى يتفاقم ذلك الفساد ويتشكل بفساد في الأرض , شهد التاريخ البشري وقائع هذه الظواهر المثيرة للفساد بمعناه الشامل في أدواره وعهوده، ومن لا يدري الظروف الوحشية التي اجتاز بها النوع البشري ما قبل التاريخ وفي أيام الفراعنة والنماردة، ممن ملكوا زمام العالم واستعبدوا الإنسان وعاملوه بأشد ما يعامل به وحوش الغابات الضواري، ذلك في تاريخ القرون المظلمة التي ذهبت أدراج الرياح والأعاصير واختفت في الرسوم والأحجار، وكذلك حدثت عوامل الشر والفساد في جميع الأقوام والأمم التي انحرفت بها الطرق وحاد أهلها عن الحق وتناسوا ما عليهم من واجبات العقل والدين، وظنوا أنهم خلقوا ليُعبدوا، لا ليَعبدوا الذي خلقهم من نطفة قذرة وقطرة مذرة، هكذا كان تاريخ الإنسان في كل عصر تغلب فيه الفساد على الصلاح، والشر على الخير، فقد رأت عيون الدنيا نماذج مخيفة ذات دلالات واسعة من الكبر والبغض والحسد والعنف والرياء، حيث ظهر هذا الإنسان المدل في أشكال شتى من الإله والإمبراطور والعمالقة، وكقوة عالمية كبرى، ولكنه سرعان ما أهلكته يد الزمان وأباده عنصر ضعيف ( بمشيئة الله تعالى ) فلم يكن شيئاً بعد أن كان كل شيئ، ونسيه الزمن وطوي في غضون النفور والكراهية.

ولنعد قليلاً إلى عهود الأنبياء والرسل السابقين والأمم التي أرسلوا فيها، كيف كان أهلها موضع النصح والخير والعطف والحب والإيمان لديهم، ولكنهم تمردوا عليهم، وعاثوا في الأرض فساداً وحاربوا أهل الصلاح والتقى، ورجعة قليلة إلى عهد ما قبل الإسلام حيث نلتقي بأهل الجاهلية الأولى، متفرقين بين القبائل وعائشين عصبيات جاهلية من الرفعة والضعة، ومن العلو في النسب والسفل فيه، فكانت تتصادم العصبيات وتحوم حول المفاخر والمآثر والفضائل والرذائل والسيادة والعبودية، الواقع الذي أنتج خلافات وأشعل نار الحقد والعداء، فتمثلت بصور المقاتلات والمعارك الساخنة والحروب القبلية التي ذهب ضحيتها نفوس كل من الرجال والنساء وسالت الدماء أنهاراً، وتعمقت جذور العداء والبغضاء إلى الأعماق، مما أورث مجتمعاً ساخناً يعيش على فوهة بركان ينذر بخطر مستطير، وإن لنا في أيام العرب الجاهلية الأولى شهادة كافية لمعرفة هذه الحقائق المعاشة، وما يوم داحس والغبراء وما يوم حليمة بسرّ.

كل ذلك كان من نتاج الحيد عن طريق الإيمان بالله وتقواه وتكذيب وعد الله بالأمن والرخاء والحب والإخاء، ذاك أن الله سبحانه وعد بفتح أبواب البركات من السماء والأرض للذين آمنوا به واتقوه كما قد قال تعالى: “وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ” (الأعراف:96)، فهل كان ما قاله الملائكة يوم بشرهم الله سبحانه بأنه جاعل في الأرض خليفة: “أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ” هل كان ذلك إشارة إلى طبيعة الإنسان الذي يعيش في هذه الدنيا بدون تسبيح وتقديس لله تبارك وتعالى، إنما هي طبيعة فساد في الأرض، ذاك أن الإنسان بالطبيعة راكن إلى الفساد وسفك الدماء ما لم تكن صلته بالرب تبارك وتعالى صلة قوية، صلة العبودية المخلصة والخضوع الكامل أمام قدرته والشكر لنعمة الإنسانية التي أسبغ خلعتها عليه، كما هو شأن الملائكة المخلصين الأوفياء مع ربهم العلي العظيم.

إذا قمنا بدراسة الوضع المتأزم والمستمر من مدة أعوام عديدة على أرض هذه الدول التي كانت تعتبر جنة أرضية بحدائقها وجناتها وأنهارها وعيونها، فسوف لا نرجع منها إلا بعيون باكية وقلوب دامية وعواطف مكلومة. “كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ. وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ. كَذلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ. فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ” (الدخان:25– 29)

(سعيد الأعظمي الندوي)