حضارة الإسلام، نعم!

حاجتنا إلى الإيمان والاستقامة
17 أكتوبر, 2017
صلتنا بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم
22 نوفمبر, 2017

حضارة الإسلام، نعم!

بسم الله الرحمن الرحيم

لا يخفى على المطلعين على تاريخ الإسلام الحضاري أن هذه الحضارة لم تكن حضارة الأسواق والمعارض التجارية، ولم تكن حضارة المباني الشامخة والشوارع الواسعة ولم تكن مما يسميه الغرب اليوم العولمة ويبعث بها هيبة في نفوس السذج من سكان العالم، ويظن أن الإسلام دين بلا حضارة ولا مدنية، وهو دين يدعو إلى الرهبنة، وأداء بعض الطقوس والعادات في الأمكنة المقدسة ودور العبادة التي بنيت في مجتمعات المسملين وبلدانهم باسم المساجد والجوامع.
ولكن الغرب الذي يدعى العلم والتطورات الصناعية والذي يعتز بأنه قام بهزم الكنائس وتصور الديانات التي حالت دون التطورات الحضارية، وكبلت علماء الطبيعة والتقنية بالأغلال وزجتهم في السجون، إن هذا الغرب يعتز بأنه حدد جميع التقيدات الدينية في نطاق محدود، وفتح للعلم والحضارة أبواباً واسعة على مصاريعها، ولكن هذا الغرب المسكين لا يعلم أن أوربا كانت تعيش في الغابات المظلمة قبل القرن العاشر الميلادي، وما كان لديها علم ولا أدب وثقافة ولولا أن المسلمين وصلوا إليها حاملين معهم العلوم والحضارات وأنواعاً من الآداب والثقافات، ولولا أنهم أيقظوها من سباتها العميق لكانت أوربا غارقة في النوم الصحراوي اللذيذ، وظلت على حال من الجهل والغواية ولم تعرف من معنى حياة الإنسان شيئاً.
الإسلام دين حضارة وأدب وعلم وفقه وبصيرة في جميع شؤون الحياة، إن حضارته تبتدئ منذ ولادة المولود، بل الحق منذ أن يكون في رحم أمه، ولا يقصر في تعليم معاني الحياة الإنسانية وتوجيه الثقافة والآداب من المهد إلى اللحد، إنه يبين الخطوط الأساسية للعلاقات بجميع أنواعها وألوانها، ويخططها بغاية من الدقة وتعميق مفاهيمها، وبذلك تنشأ العلاقات بين الناس والناس، وتتبين نوعية آداب الحياة الاجتماعية والفردية، وعلاقة الفرد مع الجماعة وعلاقة الجماهير مع الخاصة، والشعب مع الحكومة، وتتشكل القيم الخلقية والإيمانية كلها بأجمل أشكالها وصورها.
ولذلك فإن العالم المسلم يشعر بواجبه نحو إنشاء الجيل العالم الواسع المعلومات، والمطلع الخبير على الكون وسير النظام وفطرة الإنسان وطبيعة الأشياء، إنه يعيش في حضارة الإسلام فلا يرضى أن يعيش الآخرون في حضارات مادية وفلسفات لا تغني عن الإنسان العالم الكامل في شيء، إنه يشرح العلاقات بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان وربه الذي خلق الأكوان، إنه يبين نوعية العلاقة بين الإنسان وغيره من خلق الله تعالى، إنه يصوغ فكره في قالب العلم والإيمان، فيجمع بين الإيمان والعلم من كل نوع، ويرفض كل علم ينفصل عن الإيمان بالله وكل حضارة تقوم على أساس منهار من التطور العلمي والصناعي فقط، لا يسانده الجمع بين العلم الواسع والإيمان الراسخ.
إن الإسلام هو الدين الذي يمثل الحضارات والعلوم والثقافات وكل ما يربط الإنسان بربه تعالى، وكل ما يصل الأرض بالسماء، يقول الله تعالى:
“إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ” [آل عمران:190-191].
سعيد الأعظمي الندوي
كلمة الرائد: (السنة:59، العدد:8)