بين الإسلام الموروث والإنسان المخلوق

ما هي مشكلتنا؟
20 فبراير, 2018
كيف يكون المرء أكرم الخلق؟!
29 مارس, 2018

بين الإسلام الموروث والإنسان المخلوق

لا ريب فيما إذا كانت أمة الإسلام تمثل ذلك النموذج العالي للإنسان المسلم المثالي من فجر تاريخها إلى عصرنا الحاضر، ذاك أنها خير أمة أخرجت للناس، وقد سبقتها أمتا اليهود والنصارى، أهل الكتاب الذين ذمّهم الله تعالى بقوله: “كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ” [المائدة:79] لأن أتباعهم خرجوا عن الدين وشغلوا بما لا يتفق وتعاليم أنبيائهم فكان ذلك في الواقع ثورة ضد أهل الكتاب، وهنالك بشر الله تعالى العالم البشري بكامله بواسطة نبيه العظيم الذي أرسله رحمة للعالمين محمد صلى الله عليه وسلم بأن أمة الإسلام تتغلب على جميع الأمم والشعوب، وقد كتب لها النصر المبين على أهل الكتاب الملحدين لأنها خير أمة أخرجت للناس ولجميع بني آدم إلى يوم القيامة، وهي الأمة التي تتحمل مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك تكون أفضل وأشرف قوم، تركز جميع طاقاته على نشر الخير والمعروف وسد أبواب المنكرات كلها.

وذلك هو السر العظيم في بقاء هذه الأمة وقيامها بالدعوة إلى الله تعالى من غير خوف ولا حذر، من الظروف الطارئة أو الأوضاع الفاسدة، وقد جعل الله سبحانه دين الإسلام من فطرة الإنسان الصادق الذي يعيش مع الفطرة التي فطر الله عليها من غير تبديل أو تطوير “فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ” [الروم:30] ومن خلال هذه الشهادة الإلهية فإن كل من اتصف من أفراد هذه الأمة بصفة الخيرية وأداء مسئوليته عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله تعالى استحق أن يتسلم زمام الدعوة وإبلاغ رسالة الله تعالى إلى الإنسان مهما كان، وفي أي قطر أو ركن من العالم عاش، متمتعاً بنعم الله تعالى، من الرزق الحلال والعافية السليمة والحب والألفة، وعلاقته المخلصة مع الله تعالى، ومع الناس جميعاً، وكانت حياته سعيدة مغبوطة تستهوي القلوب وتستلفت الأنظار، وذلك ما أراده الله تعالى من عباده المؤمنين “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” [الحجرات:13].

وفي جانب آخر يتوافر هناك عدد كبير ممن ورثوا اسم الإسلام أباً عن جد، وزعموا أنهم مسلمون وعاشوا في الدنيا ومع الأقارب والجيران حسبما أوحى إليهم أولياء الشيطان أكثر من أن يعرفوا معنى الإسلام وتاريخ هذا الدين، ومرت على أسماعهم كلمة الله تعالى واسم الرسول صلى الله عليه وسلم في مناسبات مختلفة فاكتفوا بذلك ولم يعرفوا ما هي شريعة الله تعالى وتعاليم الدين، وصلتهم بالواجبات والفرائض، وحقوق الخلق والخالق، وكيف يتم التمثيل العملي للدين الذي أمر الله سبحانه بالحصول على جميع تفاصيله، إنهم لا يعرفون ولا يهمهم أن يعرفوا، معنى الدين الذي ورثوه من آبائهم، وما هي متطلباته في الحياة الدنيا وما هي إعداداتهم لحياة الآخرة، فهم عن الآخرة هم الغافلون.

ويمكننا أن نوزع المسلمين اليوم بين فئات متعددة:

الفئة الأولى تتكون من أولئك الذين ورثوا اسم الإسلام وعرفوا بعض تقاليده وأيامه الشهيرة من الجمعة والعيدين، ومن الشهر مثل محرم ورمضان، ومن العبادات الصلاة والزكاة متخلين عن العمل الديني المطلوب فهم يعيشون في جهل عن الهدف الذي يتوخاه الله سبحانه من الإيمان والعمل من عباده البشر.

أما الفئة الثانية فهي جماعة المثقفين، وهم مطلعون على المفاهيم الدينية وماذا تعني حياة المسلم إلا أنهم متكاسلون في أداء الواجب الديني، وقد يتعنتون ويزعمون أن العالم تغير كثيراً فلا يغني الإسلام عن كثير من المفاهيم الحضارية ومطالب المدنية، فهم في غفلة ساهون وعن الصراط لناكبون.

وهناك فئة علماء الدين ورجال العلم والثقافة الواسعة ولا ينقصهم شيء من التفكير فيما خلق الله من العالم البشري وأكرمه بحضارة سليمة قائمة على أساس من الحكمة الإلهية التي تفجر ينابيع العقل السليم والفكر المستقيم، فتكون صلتهم بخالق هذا الكون الواسع العملاق وطيدة ويخرون أمام قدرته الهائلة ويذكرونه باستمرارية وفي كل حين وآن، لا يتناسون عظيم نعمته، ودوام قدرته، وخلود رقابته، واتساع مملكته، ومن هنالك، يذكرونه باللسان والقلب معاً ويودون حقوقه، ويبلغون رسالته ولا يتوقفون عن أداء هذه المسئولية للحظة واحدة، مهما كانت الظروف، واختلفت الأحوال، وتباينت الغايات والأعمال، ذلك لأنهم متحلون بقوة الإيمان الخالص والثقة بالنصر الواقعي والصدق في الحب والفداء لربهم الواحد الأوحد الأحد الفرد الصمد.

وإذا بهم في حال من الذكر والتفكير والالتجاء إليه بكامل الإيمان واليقين تتمثل أمامهم آيات كتاب الله تعالى التي تحثهم على الذكر والفكر من غير توقف، وباستمرارية كاملة, فيقرأونها ويهتزون:

“إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأََرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ” [آل عمران:190-191].

(سعيد الأعظمي الندوي)