الدين الكامل في بناء العالم البشري!

معوقات عن تمثيل الدين الكامل
30 سبتمبر, 2017

الدين الكامل في بناء العالم البشري!

بسم الله الرحمن الرحيم

الدين الكامل في بناء العالم البشري!

يواجه المسلمون في الآونة المعاصرة في تفسير الدين الكامل ظروفاً من النقص في الدين، تحول دون تمثيل هذا الدين كاملاً، ويختفي وجه الدين الأصيل الذي أعلن الله سبحانه بكماله وإتمام نعمته إلى حدّ كبير، فيزعم كثير من الناس أن العمل بالدين إنما يتم في بعض ظواهر الحياة التي تختلف عن صور وطرائق الحياة التي يعيشها غير المسلمين من اليهود والنصارى ومن على شاكلتهم، وبذلك يحدث اقتناع بأن المرء يعيش في الإسلام ويعمل به كما هو الشأن في أيامنا التي نعيشها.

إن الله سبحانه تعالى ما منَّ علينا بهذا الإسلام ولم يكرمنا بما أفاض علينا من نعمة الأمة الواحدة المسلمة إلا لكي نتقدم إلى العالم البشري بقيادته إلى الصراط المستقيم وإلى صور الدين الواقعية من خلال الأعمال التي تمهد الطريق للعيش في هذاالعالم كداعية مخلص وقائد أمين يدعو ويقود إلى طريق الفوز بالسعادة في الدنيا، والعز والكرامة في الآخرة.

المشكلة التي يعاني منها المسلمون في عصرنا هي قلة الشعور بكمال الدين وتغطيته جميع شئون الحياة والكون والإنسان والاكتفاء بأقل ما يمنع المرء عن خروجه عن نطاق الإسلام ودائرة الإيمان، نرى أن جميع أركان الإسلام تقام بصورها الظاهرة وقد تكون هي ناقصة الأداء، وقد تكون صوراً بلا روح، وإن كانت هناك طائفة من الناس تعيش في غفلة تامة عن الدين ومتطلباته، تؤدي صورة العبادة كعادة ورثتها عن المجتمعات المادية أو المذاهب المنحرفة التي تكتفي بالألقاب والأسماء والمظاهر الجوفاء.

ولكن الأمة التي أخرجت للناس وسُمِّيت بخير أمة والتي أخرجت للناس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي شبه مفقودة في عالم الواقع الملموس، ذاك أن الحضارت التي لا تعني إلا الأهواء النفسية التي تداخلت البيوت والأسر ومناطق المدنيات والأسواق التجارية، إنما تسود العقول وتخمر العواطف بالاستباق إلى كسب المنافع من كل نوع بالاستغناء الكامل عن الشعور بالمسئولية وأدائها،والتي خلق الإنسان على الاعتراف بنعمتها ودعوة الناس إلى العمل الخالص الذي ينبع من نعمة الشعور الإيماني في النفوس، فإذا بالمرء لا يقرّ له قرار ما لم يقم بدعوة الناس إلى الدين، وتوجيه الإنذار إليهم بما إذا لم يتعلموا هذا الدين ولم يؤدوا حقه بالعدل والاعتدال “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا” [البقرة:143].

كيف يأتي النصر إلى المسلم الذي عاش بغاية من النشاط والقوة في ملاعب اللهو واللعب وفي مجال اكتساب المال والثراء باذلاً جهده في بلاد الكفر والنفاق دعماً لعوامل الفسق والفجور، ولكنه في مجال الدعوة إلى الله تعالى والانتصار للدين، ومحاربة الفساد والمفسدين في الأرض، غارق في نوم لذيذ، وعائش في غفلة ما بعدها غفلة،وليس هذا الأسلوب من الحياة مما يبشره بالعزة والرخاء في الدنيا والآخرة والفوز بنعمة الآخرة من جنات ونعيم.

فإذا كان هناك ناس يتناسون هذه النعم التي احتضنتهم في جميع شئون الحياة ودرّت عليهم نعمة الرزق والقوة الإيمانية فأي حاجة تلجئهم إلى أن يمدوا أيديهم نحو الآخرين فيما إذا واجهتهم ظروف شاذة في بعض مشاكل الحياة والمجتمع ولا يبحثوا عن مظان حلولها في نظام الشريعة التي أنزلت لهذه الأمة المثالية على وجه دائم وطريقة خالدة، أليس لنا في التاريخ الإسلامي الممتد على خمسة عشر قرناً مواصفات العلاج لكل أزمة أو مشكلة، أليس لنا في هذا التاريخ المتميز دلائل ذات أهمية على العلو والهدوء، وتعاليم القيادة والسمو، ونماذج ثابتة لإرساء قواعد الحكم،أ لم يتجمّل وجه هذا التاريخ بأولئك المربين والدعاة والشيوخ والمعلمين الذين بيض الله سبحانه وجوههم بجوهرة الإخلاص والاحتساب، وخلد أعمالهم بالقبول الحسن وجعلهم أئمة موفقين، ودعاة إلى الخير والمعروف، وقادة العالم إلى دين رب العالمين.

أولئك هم الذين قاموا بتمثيل دين الله تعالى بغاية من الكمال والجمال، وبشيء كثير من الإيمان واليقين، وإن قليلاً من دراسة هذا التاريخ يكشف لنا من الإنجازات في مجال العلم والدعوة ما يبهر العقول ويفتح القلوب للإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والثقة بكمال هذا الدين، واتباع سنة خاتم النبيين، وتفدية المهج والأرواح على سيد الأنبياء والمرسلين وحبيب رب العالمين، فهو الذي أكمل على يده هذا الدين العظيم الذي تحدث الله سبحانه عنه في كتابه العظيم فقال: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا” [المائدة:3].

ولما نزلت هذه الآية جاء إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رجل من اليهود وقال يا أمير المؤمنين إنكم تقرأون في كتابكم آية لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، فقال له أي آية؟ فقرأ هذه الآية فقال له أمير المؤمنين والله أني لأعرف ذلك اليوم الذي نزلت فيه هذه الآية والوقت الذي نزلت فيه هذه الآية على رسول الله صلى الله، يوم عرفة مساء يوم الجمعة.

وبذلك نستطيع أن نعرف قيمة هذا الدين الكامل ودوره الخالد في بناء العالم البشري. (للحديث بقية)

سعيد الأعظمي الندوي