التميز الإسلامي، والجهود المضادة!

التميز الإسلامي، والجهود المضادة!
24 مايو, 2018
بين موضوعية التعليم والمتعة التجارية
7 يوليو, 2018

التميز الإسلامي، والجهود المضادة!

(الحلقة الثانية)

منذ زمن غير طويل احتدشت القوى المناوئة ضد النظام الطبيعي للحياة الإنسانية، الذي أنزله الله سبحانه كنظام خالد على خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وأنقذ به الإنسانية التي كانت متدلية نحو الهاوية، وذات عداوات وخلافات فيما بين الأفراد والجماعات والأجناس والشعوب والقبائل، التي عرفت معنى العز والسعادة وفضائل الأخلاق لأول مرة في التاريخ، واعترف بذلك أصحاب العلم والعدل، وسجلوا انطباعاتهم عن المفاهيم العالية التي تتوافر في هذا النظام وتتفق مع طبيعة الإنسان في جميع الظروف والأحوال، ولتأكيد هذا الواقع العظيم بعث الله تعالى علماء وأئمة مجتهدين، ممن درسوا هذا النظام الشامل الخالد من جميع النواحي العلمية والفكرية والإنسانية، ووُفقوا لدراسة كتاب الله تعالى وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم دراسة واعية متعمقة، فاستطاعوا أن يؤلفوا في الموضوع كتباً ومؤلفات، ويعبروا عن أفكارهم وآرائهم بطرق عملية، تبرهن على أن هذا النظام الديني ليس من العقل الإنساني في شيء، وإنما هو نظام سماوي إلهي يشمل حياة الإنسان من جميع النواحي، وفيه كل ما يحتاج إليه المرء في أي منحى من مناحي الحياة، وفي جميع المجالات الفردية والجماعية والاقتصادية والسياسية، وعلى جميع المستويات الأسرية والعائلية والقرابية والجوارية، وفيه حل لكل مشكلة أو منازعة، وهو يفرق بين الحق والباطل والإيمان والكفر، والصدق والكذب، وليس فيه محاباة ولا انحياز، بل الناس كلهم سواسية كأسنان المشط من الناحية الإنسانية، ولكن الذي يميز بينهم إنما هو الطاعة والمعصية (“وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا” [النساء:69].

وفي عصرنا الأخير تجرأ الغرب المادي، فشرح إسلامنا الكامل الذي جعله الله سبحانه مجمع كل خير ومنبع كل عزة وقوة خالدتين دائمتين، شرحه الغرب المناوئ بدين إرهاب وظلم، وقام بنشر هذه الخطة من الكذب والافتراء على جميع المستويات، ومن خلال الوسائل الإلكترونية كلها، وأكد زعماؤه السخفاء أن الإسلام يبعث الناس على ترخيص نفس الإنسان بالقتل والفتك والإرهاب، ويدعوهم إلى توسعة نطاق الفساد في الأرض والعدوان على مجتمعات البشر من غير هوادة، أو رحمة، وقد نجح أولياء الغرب في تربية جيل من المسلمين لم يستسغ روح الإسلام، وظل يعيش في شبهات فيما إذا كان هذا الدين يستطيع أن يرافق الإنسان في رحلته الحضارية والعلمية والتقنية الحاضرة، وفيما يستقبله في العصورالمستقبلية من ظروف وأوضاع، وقد ساعده في هذه المرحلة أنصاف المثقفين من الماديين أن يؤكدوا لأمثال هؤلاء العائشين في الشبهات والتشكيكات أن نظام الاقتصاد الإسلامي لا يساير الحياة المعاصرة، بل يقع بها في هوة الفقر و الاستجداء، ويسلب من الإنسان عزة نفسه وإباء طبيعته، ويجعله فقيراً، يتردد في الطريق بكأس من التسول، ويذوب عنه الإيمان بقدرة الرزق والعطاء لله تعالى، كأنه لا يعرف معنى “إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ” [الذاريات:58].

وقد عاشت الشيوعية (التي ماتت في مهدها) إلى سبعين عاماً تدعو إنسان القرن العشرين بغاية من الثقة وتصرخ بأعلى صوتها بالمساواة الاقتصادية للرجل والمرأة والغني والفقير والصغير والكبير، وفرضت بذل جهود متساوية لكسب القوت على الجميع، وقد أنتج هذا الهتاف من الفقر والجرائم الخلقية ووقوف المرأة، بجنب الرجل الأجنبي من الفحشاء والمنكرات علنا وجهاراً، وكان سبباً في ذهاب حرمة الأسر والعائلات، فلما بلغ السيل الزبى، فشلت الشيوعية وأعلنت بكل وقاحة وبانهزامية شديدة موتها في مهدها.

ذاك أن كل مجموعة أو طائفة من الإجراميين تحارب النظام الطبيعي للإنسان الذي أولاه الإسلام للإنسان، تواجه إخفاقاً كاملاً، وتضطر إلى الاعتراف بأن النظم الصناعية الزائفة تحول دائماً دون سير الحياة الإنسانية على الدرب المستقيم، ولا مناص لها من أن تواجه خسائر فادحة ليس لها تدارك في أي حال.

ولكن المجموعات المعادية للإسلام لا تعتبر بما يحدث ضد نظراتها المتطرفة من الفشل والضياع، إنما هي تولي وجهتها من جهة إلى أخرى ثائرة على النظام الإسلامي الكامل الشامل نقمة وعداوة، فرغم أن كتاب الله تعالى يعلن بكل صراحة أن الإسلام دين وسط لا يحتاج إلى نقص أو زيادة، ولكن أولياء الغرب لا يرضون بهذه الصراحة، وهم يزيدون وينقصون فيه نزولاً على رغباتهم وأهوائهم ومصالحهم المؤقتة، ويفرضون على المسلمين التحرك الدائم في نظامهم الشرعي كذلك، وأن لا يكونوا رموزاً للجمود واللزوم بكل قديم، دون أن يراعوا الظروف المتغيرة المتبلورة في العالم المعاصر الحديث، فيوصونهم بالدوران مع الزمان حيثما هو دائر، ذلك لكي يعيشوا مع واقع التوازن والتعادل، ومع مراعاة طلبات العلم والحضارة، وليس هذا القول نابعاً من إخلاص القلب وصدق النوايا، إنما هو دعوة إلى الانحراف والضلال، ليس غير.

وهناك هتاف جديد يروجها بعض أهل العلم الراسخين، سواء من سهو أو خطأ، وذلك هو الدفاع عن الإسلام، ومعلوم أن الإسلام دين الإنسان الأخير، وليس بعده دين ولا شريعة، وهو منزل من الله تعالى في صورة كاملة ونعمة تامة، وهو جوهرة قائمة دائمة غير متغيرة في لونها وتركيبتها وصناعتها، فماذا يعني الدفاع عن الإسلام؟ ومعلوم أن الدفاع يكون عن شيء يتوافر فيه نقص أو عيب، ويكون عن الإجرام والمجرمين، وعن أخطاء وعيوب، فكيف يكون الدفاع عن الإسلام ؟ ولماذا يستعد الإنسان المسلم للدفاع عن إسلامه الذي هو نعمة من الله كاملة عليه، وليس فيه أي نوع من نقص أو عيب ؟.

هذا، وهناك أمثلة كثيرة وأمور تثار في أذهان المسلمين ومجتمعات العلماء والدعاة لكي يُشغلوا عن الأمور الأساسية، ويمكن ابتعادهم عن الدين، ولو بمثقال ذرة، ويعتقدوا أن الحياة المعاصرة محاطة بمشاكل وقضايا، قد يحتاج معها الدفاع عن الإسلام والله سبحانه وتعالى يقول:

“وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ” [البينة:5].

(سعيد الأعظمي الندوي)