ابْتَاعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ
5 مارس, 2020

ابْتَاعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قَالَتْ: ابْتَاعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَعْرَابِ جَزُورًا – أَوْ جَزَائِرَ – بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرِ الذَّخِرَةِ، وَتَمْرُ الذَّخِرَةِ الْعَجْوَةُ، فَرَجَعَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَيْتِهِ، فَالْتَمَسَ لَهُ التَّمْرَ، فَلَمْ يَجِدْهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: ” يَا عَبْدَ اللهِ، إِنَّا قَدْ ابْتَعْنَا مِنْكَ جَزُورًا – أَوْ جَزَائِرَ – بِوَسْقٍ مِنْ تَمْرِ الذَّخْرَةِ، فَالْتَمَسْنَاهُ، فَلَمْ نَجِدْهُ ” قَالَ: فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَا غَدْرَاهُ. قَالَتْ: فَنَهَمَهُ النَّاسُ، وَقَالُوا: قَاتَلَكَ اللهُ، أَيَغْدِرُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالا “. ثُمَّ عَادَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللهِ إِنَّا ابْتَعْنَا مِنْكَ جَزَائِرَكَ وَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ عِنْدَنَا مَا سَمَّيْنَا لَكَ، فَالْتَمَسْنَاهُ، فَلَمْ نَجِدْهُ ” فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَاغَدْرَاهُ، فَنَهَمَهُ النَّاسُ، وَقَالُوا: قَاتَلَكَ اللهُ أَيَغْدِرُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا ” فَرَدَّدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، فَلَمَّا رَآهُ لَا يَفْقَهُ عَنْهُ، قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: ” اذْهَبْ إِلَى خُوَيْلَةَ بِنْتِ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ، فَقُلْ لَهَا: رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَكِ: إِنْ كَانَ عِنْدَكِ وَسْقٌ مِنْ تَمْرِ الذَّخِرَةِ، فَأَسْلِفِينَاهُ حَتَّى نُؤَدِّيَهُ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللهُ “. فَذَهَبَ إِلَيْهَا الرَّجُلُ، ثُمَّ رَجَعَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ عِنْدِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَابْعَثْ مَنْ يَقْبِضُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ: ” اذْهَبْ بِهِ، فَأَوْفِهِ الَّذِي لَهُ ” قَالَ: فَذَهَبَ بِهِ، فَأَوْفَاهُ الَّذِي لَهُ. قَالَتْ: فَمَرَّ الْأَعْرَابِيُّ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَوْفَيْتَ وَأَطْيَبْتَ. قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” أُولَئِكَ خِيَارُ عِبَادِ اللهِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُوفُونَ الْمُطِيبُونَ”.

تخريج الحديث: أخرجه أحمد في المسند برقم: ( 26312) والبزار في “مسنده” كما في كشف الأستار عن زوائد البزار (2/105) برقم: 1309 و البيهقي في السنن الكبرى (11095)

شرح الحديث: إن هذه القصة مثال رفيع، و نموذج سني، لحسن الأخلاق، و حسن المعاملة، و سماحة النفس، و الإيفاء بالعهد، و إنجاز الوعد، و تحمل الجفاء، و الصبر على الغلظة، و تقرير مبادئ الحق و العدل، و رسم قواعد الإنصاف و القسط بالقول و العمل.

“إن لصاحب الحق مقالا” ما أنصف هذه القاعدة وأعدلها! و ما أسدّ هذه الكلمة و أنقاها و أشفّها! و ما أغلى هذه النصيحة و أسماها! و كذلك قوله صلى الله عليه و سلم: “أُولَئِكَ خِيَارُ عِبَادِ اللهِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُوفُونَ الْمُطِيبُونَ ” عصارة هذه القصة، و الدرس البليغ لعباد الله، و الأصل الأصيل في المعاملة و البيع و الشراء. و قول الأعرابي: “جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَوْفَيْتَ وَأَطْيَبْتَ” بعد أن أعطاه رسول الله صلى الله تعالى عليه و سلم حقه كاملا موفورا يدل على أن صفاء المعاملة و حسن السلوك و طيب الكلام له تأثير قوي في القلوب، و هو الذي يُحوّل العدو صديقا، و الشانئ محبا، و الذام مادحا، والقالي راضيا.