إنا لفراقك يا محمود لمحزنون!

وفاة الشيخ محمود أفندي رحمه الله
17 جولائی, 2022

إنا لفراقك يا محمود لمحزنون!

محمد وثيق الندوي

انضم إلى موكب العلماء والصلحاء والدعاة الباحثين الإسلاميين الراحلين عن دنيانا، أخونا الحبيب إلى القلب الشيخ محمود حسن الحسني الندوي رحمه الله، الذي انتقل إلى جوار ربه يوم الجمعة 13/ من محرم الحرام 1444هـ الموافق 12/أغسطس 2022م عن عمر يناهز 52 سنة.

لقد اتصلت به منذ أواخر  عام 2000م إلى أن وافته المنية، فما عرفت فيه إلا الصدق في القول، والإخلاص في العمل، والصبر والثبات في أداء الواجب، والعمل الدؤوب في خدمة الدين والدعوة والعلم، مع الحب لإخوانه المتعاونين معه، والرفق بهم، والصبر عليهم، والتواضع لهم، لا يقسو على صغير، ولا يستكبر على ضعيف، ولا يشغل نفسه بالتوافه، فما وكل إليه عمل إلا اجتهد أن ينجزه بإتقان وجدارة، ويصل به إلى أبعد مدى، وأحسن مستوى ممكن، لا يألو في ذلك جهدًا، ولا يدخر وقتًا ولا وسعًا،بل يجهد نفسه إلى حدّ يلومه عليه من حوله، وهو لا يبالي بما يصيبه.

ولد عام 1391هـ الموافق 1971م، تعلَّم من كبار علماء أسرته الحسنية الشريفة أمثال سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي، والشيخ محمد الثاني الحسني الندوي وهو جدُّه من جهة الأم، والشيخ محمد الرابع الحسني الندوي، والشيخ محمد واضح رشيد الحسني الندوي وغيرهم من العلماء،كما استفاد من المحدث الجليل العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة والعلامة الشيح محمد عوامة، وبعض أئمة الحرمين الشريفين وكبار العلماء العرب من أصحاب الدعوة والفكر الإسلامي خلال زيارتهم لندوة العلماء،أو خلال سفره إلى الحجاز لأداء العمرة والحج، وتخرج في دار العلوم لندوة العلماء، ثم اشتغل بالتدريس في مدرسة ضياء العلوم بتكيه كلان برائي بريلي، فكان نعم المدرس، ونعم المربِّي لطلابه، وكان نعم الزميل لأصدقائه وزملائه في التدريس، ثم انقطع إلى صحبة سماحة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي، وبعد وفاته لازم صحبة الشيخين العظيمين الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي والشيخ محمد واضح رشيد الحسني الندوي في الحل والترحال،مغترفًا من نبع علمهما الصافي، الدرر والآلي، مستفيدًا من صحبتهما وتجاربهما،فأصبح متضلعًا من العلوم والفنون.

وورث الذوق الأدبي وملكة الكتابة من جده من جهة الأم الشيخ محمد الثاني الحسني الذي كان أديبًا أريبًا وكاتبًا قديرًا باللغة الأردية،فكان أخي الحبيب محمود الحسني كاتبًا قديرًا حول السير والتراجم والتاريخ والأنساب ورجال الدعوة والإصلاح في التاريخ الإسلامي،وكان من عادته أنه إذا كان يبدأ الكتابة حول موضوع ما، يعطيه جهده ووقته، وعقله وقلبه، ما لا يعطي غيره، حتى كان يسهر معظم الليالي، يراجع الأوراق، ويبحث عما يريده في الكتب والمصادر، حتى عاتبه بعض أهل بيته وأصدقائه على هذا الجهد، وطلبوا منه أن يخفف عنه ويرفق بنفسه، وأن يؤجل بعض الأمور إلى الغد، ويأخذ حظه من النوم، حتى يستطيع أن يواصل مسيرته، فكان جوابه الحاسم: الوقت قليل، والعمل كثير، والموت منتظر وهو أدهى وأمرّ.

 وكان بخلقه الحسن مقبولاً محبوبًا، فلا غرو أن أحبَّه كل من عرفه في مكان زاره، وكل من صحبه في حله وترحاله، أحبَّه العلماء والصلحاء، أحبَّه الزملاء، والطلاب، أحبَّه الشيوخ والشباب، فقد كان في تعامله أرقَّ من نسمات الفجر، وأنعم من ورقات الزهر، وأطيب من ريح الورد، وأحب من الماء العذب البارد لدى الظمآن، ومن كان هذا خلقه فلا بدَّ للناس أن يحبوه، وقال الشاعر العربي حافظ إبراهيم:

والناس هذا حظه مال، وذا

علم، وذاك مكارم الأخلاق

والمال إن لم تدخره محصنا

بالعلم، كان نهاية الإملاق

والعلم إن لم تكتنفه شمائل

تعليه،كان مطية الإخفاق

فإذا رزقت خليقة محمودة

فقد اصطفاك مقسم الأرزاق

وقد رزق الله تعالى أخانا محمودا الدين والأخلاق، والعلم والأدب،فكان كاتبًا مطبوعًا، لا يتكلف الكتابة، كأنما ينحتها من صخر؛ بل تصدر عنه الكتابة كما يصدر الشذا عن الزهر، وكما يصدر العسل عن النحل، مختلفًا ألوانه، فيه غذاء وشفاء للناس،وقد رصد كتابته لعرض محاسن الإسلام، وسير العلماء والصلحاء والدعاة.

وكان صافي العقيدة وسليمها، نقي الإيمان وراسخه، لا تعرف الخرافة ولا الشركيات إليه سبيلاً،وكان ربانيَّ الأخلاق والسلوك، قوي المراقبة لربه، شديد المحاسبة لنفسه، طويل الوقوف بين يدي ربه، يطيل الركوع والسجود، تلذُّذًا بالمناجاة وخاصة في شهر رمضان المبارك،وكان سليم الصدر، لا يضمر لأحد غلاً ولا شرًا، عفَّ اللسان، لا ينطق بكلمة فحش؛ لا جدًا ولا هزلاً.

عرفتُه عن كثب منذ عُيِّنتُ في دار العلوم لندوة العلماء، تعارفنا وتآلفنا، وكلما مضى الزمن ازدادت صلتنا توثُّقًا، كنا نلتقي باستمرار، نلتقي كل يوم صباح مساء،لنتعاون في إنجاز الأعمال العلمية لشيخنا العلامة محمد الرابع الحسني الندوي -حفظه الله تعالى-، ونلتقي لنتشاكى هموم الأمة، ونتدارس شؤون الفكر والثقافة، وشجون التعليم والدعوة، وأمور التربية والإرشاد، ومسائل الساعة، وقضايا العصر، فكان خير متعاون معنا، وإن هذه الصلة ممتدة على أكثر من عشرين سنة قضيناها إخوة أشقاء.

وكان أخانا محمود رجلاً هادئًا، يحمل الأمل في ساعة اليأس، ويبشر بالفجر في حلكة الليل، ولا ييئس من روح الله أبدًا، وهو الرجل المتمسك بالحق، وبعقيدة التوحيد الصافية الخالصة، وبمنهج علماء السلف الصالح، لا يحيد عنه، وكان أعظم ما يشغله، تصحيح العقيدة، وتصحيح المفاهيم، وعرض حياة الصحابة رضي الله عنهم، وسير العظماء من علماء الأمة وصلحائها ودعاتها، وكان اتباعُ الرسول صلى الله عليه وسلم وحبُّه سمتَه البارزة، فتثور ثائرته وغيرته إذا انتهكت حرمة من حرمات الله، وأسيئ إلى رسوله العظيم أو إلى صحابته البررة،فكان شديد الحمية في هذا الشأن، وأما إذا أسيئ إلى ذاته فلا تثور ثائرته ولا يقول شيئًا.

وكان صوامًا قوامًا، كثير التلاوة لكتاب الله عزوجل، مشغولاً بالعلم دراسة وتأليفًا، وكنتُ كلما زرتُه حيث كان، وجدته مشغولاً بالكتابة أو بقراءة كتاب من كتب التفسير والحديث أو السير والتراجم أو كتب الإحسان والسلوك، فهكذا ينفق وقته بين العلم قراءة وكتابة، والعبادة والتلاوة، ولم يكن عنده مجال للهو ولا لهزل، فقد كان عنده من الحق والجد ما يصرفه عن كل هزل وباطل.

هذا هو أخونا محمود لم يكن ملَكًا مطهرًا، ولا نبيًا معصومًا، بل هو إنسان يصيب ويخطئ، وهفواته التي لا يسلم منها بشر، مغمورة في بحر حسناته ومحيط مزاياه.

أخي الحبيب إلى القلب إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا لفراقك يا محمود لمحزنون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

رحم الله أخانا الراحل، وغفر له، وكتبه في المحسنين، وجعله مع الذين أنعم الله عليهم من الصديقين والنبيين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.