من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة

المدنيّة المعاصرة
11 نومبر, 2021
منهج الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي في الفكر والدعوة
23 دسمبر, 2021

من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة

محمد قيصر حسين الندوي

هذه سنة مطردة في الحياة إن "من كنت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة”، وإن من أحسن ما يمارسه في أمر الدين أو الدنيا بلغ المرام فكيف بطالب العلم الذي تضع له الملائكة أجنحتها رضًا بما صنع فإن عون الله لا يتخلف عنه بل أسرعه، وإن كل من جدوا وكدّوا وتعبوا وسهروا، عزموا وأرادوا وأقدموا وواجهوا فقرًا كاد أن يكون كفرًا وعرى شديدًا تاركين وراء ظهورهم راحتهم ودعتهم والنوم اللذيذ في سبيل العلم والتحصيل فازوا في مرامهم وبلغوا إلى مبتغاهم لأن المعالي والمكارم مفروشة بالشوكة والقتاد ومحفوفة بالشدائد والمحن كما هي محاطة بالعراقيل والعقبات التي لا يمكن العبور إليها إلا بجسر من التعب والمشقة على مركبة من الجد والجهد لأن العلم لا ينال براحة الجسم كما قال الشاعر.

جدير بالعلى من يصطفيها

ويركب في مطالبها الصعايا

وكتب الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، إن طا لب العلم إذا بذل جهوده وتحمل المشاق والمتاعب وغالب الصعاب والعقبات لا يخيب الله مسعاه ولا يهضم الناس حقه ولا يتخلف عنه التفوق والنبوغ وأما من ترجى الأماني وصاحب التواني واستروح الراحة واستحلى الرفاهية واستلذ المطاعم واستجمل الملابس واستحب النوم الطويل وشغلته متقلبات الفصول فما أبعد العلم منه وما أنفر عنه” (من صفحات صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل: 379).

ومما لا ريب فيه أن كل ما نراه اليوم من آثار العلوم والفنون ومن كثرة المكتبات الإسلامية والمدارس الدينية والكتب العلمية والفنية وبخاصة حول الموضوعات الإسلامية في كل ناحية من نواحي العالم يرجع الفضل في ذلك كله إلى جهابذة الفنون وأفذاذ العلماء الذين ما قارفت أيديهم الأقلام وعيونهم النظر وقلوبهم الفكر طول حياتهم إلا فيما تمسّ الحاجة الشديدة إليه من المعاش.

ومما تجدر الإشارة إليه بأن العلم لا يختص بقوم دون قوم ولا بجنس دون جنس ولا ببلد دون بلد ولا بعرق دون عرق كما أن نيل المقامات العلمية لا تقتصر على أسرة كريمة دون الأسرة العادية كما تدل على ذلك أن كثرة كاثرة من العلماء البارزين المشهورين قد نبغوا وامتازوا من بين الأسر الحرفيين والريفيين من الناس والفقراء المعدومين كما يدل على ذلك انتساباتهم التي عرفوا بها للحرف كالنجار والحداد والصباغ والقصار وغيرها من الحرف، وكذلك لم تدون علوم الإسلام على ضفاف الأنهار وتحت ظلال الأشجار والأثمار وإنما دونت باللحم والدم وظمأ الهواجر بل كل من جد ودأب واصطبر نال وارتفع وأقبل نال بقدر جده ومواهبه.

إن الإسلام الحنيف أتاح العلم بكل متعلم حينما جعل طلب العلم عبادة وقرره في ضمن التكاليف الشرعية، طلب العلم فريضة على كل مسلم وجعل تعليمه عبادة أيضاً ولكل من أيقظ ليله وأدأب نهاره ونفسه لا تشبع من العلم ولا تروى من المطالعة ولا تكل من البحث.

وإن الأئمة والأعلام قد بلغوا الذروة في العلم بإخلاصهم المثالي ونفوسهم الذكية وجهودهم النادرة بدون أي تشجيع أو مكانة مادية أو منزلة حكومية أو وظيفة دنيوية إنما كان همهم الوحيد وقصارى مرادهم مما ركبوا فيه الصعب والذلول خدمة دينهم إرضاء ربهم ونصر كتابهم ونشر سنة نبيهم وعلوم إسلامهم فنالوا ما أملوه في الدنيا وحلّوا من الإعزاز والإكرام المكان الرفيع ولهم عند الله في الدار الآخرة من الأجر والمقام المحمود ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

أولئك آبائي فجئني بمثلهم

إذا جمعتنا يا جرير المجامع