نقاط مهمة ولكن مهجورة!

جيلنا الجديد في حاجة إلى إيمان جديد
21 اگست, 2022
قبل أن يفوت الزمام
25 ستمبر, 2022

نقاط مهمة ولكن مهجورة!

محمد وثيق الندوي

إذا استعرضنا أوضاع المسلمين في العالم نصادف أنهم يعيشون أحوالاً قاسية على مستويات متنوعة، وأصعدة مختلفة، تتجاذبهم اتجاهات فكرية، وأفكار دينية واجتماعية، وتيارات سياسية واقتصادية،وأيديولوجيات حضارية وثقافية، يميلون يمينًا وشمالاً،لا يقر لهم قرار، ولا يهدأ لهم بال، لأنهم نسوا أو تناسوا ما أُمروا بالتمسُّك به والعضّ عليه، وهو الكتاب والسنة، ويواجهون أخطارًا وتحديات داخلية تهدد كيانهم،بسبب القرارات والإجراءات التي تُتَّخذ في بعض الدول العربية والإسلامية التي تتجه بخطوات متسارعة إلى ما لا يُحمد،كما أشار إلى ذلك المستشار السابق لرئيس حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم الدكتور ياسين أقطاي في الحلقة الثانية من مقابلته الخاصة مع "عربي 21″. يقول وهو يصف حالة الشرق الأوسط: ” الأهم الآن دراسة النظام العالمي وتأثيره في المنطقة، كدراسة دور الصين، والولايات المتحدة، وإسرائيل، وروسيا، وأوروبا، فضلا عن الدور التركي، وكذلك دراسة وتحليل القوات الإقليمية المتنافسة في دول الخليج، ودراسة حالة عدم الاستقرار في بعض دول ما بعد الربيع العربي، كل هذه الأبعاد تجعل منطقة الشرق الأوسط ديناميكية”.

وأضاف : ” لا أريد أن أذكر الدول بالتحديد،لكن بعض الدول الإسلامية ما زالت بعيدة عن فهم دقائق الأمور حتى يطوروا أنفسهم، وهناك كثير من المثقفين المسلمين الكبار لابد أن يستمع إليهم رجال السياسة حتى يطوروا أنفسهم، ويطوروا بلادهم، ويطوروا مستوى الحقوق، ومستوى الإدارة”.

ويقول : "من الأمور المحزنة للغاية أن نرى بعض بلاد الإسلام تكتظ بالمعتقلين في السجون، ولو كان هذا الشيء في بلاد أخرى لكنا نقيم القيامة؛ فحكام المسلمين أكثر مَن ينتهك حقوق المسلمين، بشكل أبشع من الصهاينة والأوروبيين وغيرهم ".

وأخطر من ذلك ما يواجهه العالم الإسلامي اليوم،وهو فراغ عقيدة وإيمان، وفراغ قلب وروح، وفراغ عقل وتفكير، إنه يبحث عن أسس ومبادئ يبنى عليها صرح مجتمعه الجديد، إنه يبحث عن عقيدة يلجأ إليها، وإيمان يستولى على مشاعره، وفلسفة حياة تحدد أهدافه ونشاطه الاجتماعي في العالم، وإن اتجاهه إلى النظم الغربية للحياة وغيرها من الفلسفات والشعارات الجديدة والاتجاهات اللادينية الوافدة، يدل على حيرته وشروده وفراغه الروحي.

إنه فراغ لا تملؤه الهتافات الجديدة، ولا تملؤه الشعارات البراقة،ولا تملؤه الفلسفات الحديثة الخادعة، ولا يملؤه ما أقرته بعض الدول باسم تجديد الديانة الإبراهيمية أو الدين الجديد،ولا يملؤه النظام العالمي الذي تتنافس في تعزيره القوى العالمية المتصارعة، إنه فراغ قلب وروح، فلا يملؤه إلا القلب والروح، إنه فراغ عقيدة وإيمان، فلا يملؤه إلا العقيدة والإيمان؛ الإيمان بالله العظيم، والإيمان بكتابه الخالد بأنه هو الدستور الوحيد للبشرية، والإيمان بخاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم بأنه هو الأسوة الحسنة على سائر الخطوط في جميع العهود.

مما يبعث على الأمل أنه تُدرس القضايا والمشاكل، وتُناقش الظروف والأوضاع التي تواجهها الأمة الإسلامية، وتُبذل جهود ومحاولات للمعالجة،هناك جماعات دعوية، وحركات إصلاحية، ومراكز تعليمية، وأحزاب سياسية، تسعي في نطاقها لإصلاح ما فسد، وتدارك ما فات، واستعادة ما فقد من العزة والقوة والغلبة والمكانة بين الأمم، ولكن جهودهم مبعثرة ومشتتة،أو مكدسة في مجال دون مجال، ينقصها التخطيط وتعيين الأرجحيات والعمل الجاد الدؤوب، وينقصها الاتزان والتنظيم والتناسب والانسجام، ويغلبها حب الذات والأثرة،والرياء والظهور،والسمعة الكاذبة، هذه الجهود ينقصها الجمع بين المادة والروح، والعقل والقلب، والدنيا والآخرة، وهو سمة العمل الإسلامي، والشعار الإسلامي، يحلو لي بهذه المناسبة أن أنقل ما كتبه الكاتب الإسلامي محمد الحسني -رحمه الله- وهو يبين هذا المرض، مشيرًا إلى أهمية الإخلاص والنظام والعمل في بلوغ المنى والمرام،وتحقيق الغايات والأهداف، يقول:

” هذا الإخلاص قد تضاءل وانكمش في المجتمع الإسلامي، وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون، وهنا طائفة من الناس، مخلصون جادّون قد نالوا من الإخلاص حظاً وافراً، الإيمان يعمر قلوبهم، ولكنّهم لا يعرفون واجبهم، الحمية الدينية والغيرة الإسلامية تدفعهم إلى الكفاح، ولكنهم لا يدرون كيف يقومون بالإصلاح، وكيف يبدؤون بالكفاح، إنهم لا يفكرون في الأوضاع الراهنة، إنهم لا يحفلون بمقتضيات العصر، إنهم لا يبحثون عن مواقع الضعف في العدوّ، ولا يفطنون بالخطر الكامن، إنهم لا يكافحون أوبئة العصر الحاضر، إنهم لم يعثروا بعد على الخطوط الصحيحة للكفاح في المجتمع الحديث، إنهم يعملون لأن العاطفة الدينية تدفعهم إلى العمل، إنهم يعملون بلا نظام، إن مجرد الإخلاص والعمل، لا يكفي، ولابدّ من الجمع بين هذه الثلاث، والأوضاع الحالية في العالم تطلب من العامل والمكافح والمناضل أن يبنى أساس كل بناء على التصميم، ولاشك أن الجهود الجبارة والكفاح الشاقّ الطويل بلا نظام ينقص من قوة الكفاح شيئاً كثيراً، والجهد القليل مع النظام ينتج أكثر من الجهد الكثير بلا نظام، وكم من قوة ضاعت، وكم من حركات فشلت وكم من جهود طمست واندرست في هذا العصر لمجرد أنها كانت تفقد التنظيم ويعوزها النظام”. (مجلة البعث الإسلامي،ديسمبر 1955، ص: 2.).

إن التطورات المتسارعة والتغييرات التي يمر بها العالم الإسلامي والعربي ليست تغييرات حقيقية، وتطورات إيجابية، تعقد بها الآمال، وتأتي بالنتائج المرجوة والثمار الحلوة، كما يدل على ذلك وضع الدول التي شهدت الربيع العربي، أو الدول التي تسعى للتحديث والتجديد بل التغريب، فالمسلمون اليوم في حاجة إلى تغيير شامل يغيِّر وجه العالم الإسلامي، وإن تحقيقَه ليس بمستحيل إذا تعاون الحكامُ مع الجماهير، والجماهيرُ مع الحكام، فيجب على الدول والحكومات أن تغيِّر المناهج التعليمية والتربوية، وتنقيها من المناهج والنظم المستوردة التي تتعارض مع روح الإسلام، وتحارب الثقافة المعاصرة المنحلة والتفسخ الخلقي، وتبحث عن وسائل وموارد تجعلها مكتفية بالذات، وعلى الحركات الإصلاحية والجماعات السياسية والمنظمات الإسلامية والمراكز التعليمية والثقافية أن تعمل متعاونة متضامنة فيما بينها لغرس الفكرة الإسلامية السليمة في المسلمين، وإثارة الوعي الديني الصحيح، وتوحيد الجهود، واستغلال القوى والطاقات استغلالاً حسنًا، وإذا تمَّ هذا التعاون مع الإخلاص والنظام والعمل فإنه تظهر النتائج المرجوة.

وإن الأحوال الاجتماعية والأوضاع السياسية التي نمرّ بها،إنها ليست وليدة أحوال طارئة وانقلابات عاجلة وثورات مرتجلة،بل إنها نتيجة الغفلة المردية ونسيان أو تناسي الإسلام الحقيقي،فالحاجة إلى العودة الصادقة إلى الإيمان الصادق الراسخ الذي يهيئ دعامة قوية يقوم عليها الصرح الإسلامي، وعاطفة جياشة ورصدًا كبيرًا للعمل لاستعادة مكانة القيادة والهداية والوصاية والأستاذية والعطاء، بدل التبعية والتقليد والتلقي والاستجداء، وهذا الإيمان الراسخ يؤهل المسلمين للقيادة العاليمة،ويقضي على خلافاتهم مهما كان نوعها،ويجعلهم يدًا واحدة، وأمة محترمة تخشى وترجى، وينشئ هذا الإيمان في المسلمين الاعتزاز بالنفس، ومعرفة قيمة الدور الذي يجب عليهم أن يؤدوه من غير تأخير؛ الدور الذي قاموا به في الماضي، فعاشت به الأمم والشعوب، وطابت الحياة، وسعدت الإنسانية،وارتفع الظلام وانبلج النور،وزالت العداوة والظلم، وحلت الأخوة والعدل.

هذا هو الدور الذي تنتظره الإنسانية الحائرة اليوم من العالم الإسلامي،فلابد من العودة الصادقة إلى الإيمان الراسخ بدين الإسلام بصفته دينا شاملا واسعًا جامعًا يملك الصلاحية والقدرة على قيادة العالم وتوجيه ركب الحضارة في كل زمان ومكان،وإسعاد الإنسان الذي يتأرجح اليوم بين الخير والشر، والنجاة والهلاك، ويكاد يقع في الهاوية بجميع فلسفاته وآدابه، وصناعاته واختراعاته، ونظرياته وأفكاره، ولن ينقذه إلا الإسلام.