هل يعود العالم إلى ما كان عليه قبل الحضارة؟!

الطريق الأجدى للخروج من الأزمات والمشاكل
5 مارچ, 2020
بروز قوة جديدة ما بعد كورونا وفرصة للدعاة إلى الإسلام
9 جون, 2020

هل يعود العالم إلى ما كان عليه قبل الحضارة؟!

الإعلام يهدف منذ نشأته إلى الإخبار والتعريف بما يقع من أحوال وأحداث ووقائع بدقة وأمانة، وكان يشتمل على الكتاب والصحافة، ثم تطوَّر إلى وسائل متنوعة للإخبار، وهو مثل الأدب الذي كان المقصود منه التهذيب والتثقيف وترفيه النفس، وكان هذا التصوُّر مقتبسًا من لفظه، ولابدَّ من أن يطابق المعنى اللفظ، وأن يكون استعمال اللفظ بأسلوب استعمل فيه أهل اللغة، ثم تطوّر الأدب بتأثير الحضارة والثقافة، فغلب عليه عنصرُ التسلية والترفيه، ثم توغَّل أهل الفن فيه، فدخلت فيه أنواع وألوان تتعارض مع مفهومه الحقيقي، كذلك تغيَّر مفهوم الإعلام، وغلب عليه عنصرُ التزوير والتضليل، والتخويف والتشويش، والإساءة والإهانة.

لقد حدثت اليوم البلبلة الفكرية والقلق الذهني والاضطراب النفسي بوسائل الإعلام المتنوعة،وخاصة الجوالات التي يملكها كل شخص -صغيراً كان أو كبيراً-وتنوَّعت هذه الوسيلة التي كانت خاصة للاتصال، وتحوّلت إلى وسيلة للإخبار ونقل الأحداث بأسرع ما كان تنقله الإذاعات والصحف وهي محدودة، ولكن الجولات التي يملكها كل حاف ومنتعل،ويحملونها حتى في الحمامات، غير مقيَّدة بالوقت أو بالمكان، وهي مملوءة بأنواع التسلية والفكاهة،والسخرية والاستهزاء، والعلم والمعرفة والأخبار والحوادث.

وأصبحت الجولات ووسائل التواصل الاجتماعي بديلاً للتليفون والتلفزيون، ولا تسيطر عليها جهة معينة، وهي عالمية وعامة، وكل شخص يستطيع أن يدخل فيها، أو يعرض تصوّره وأخباره، ولا يتقيُّد بالقيم والمبادئ، وينشر القلق والاضطراب، ويقلِّب الحقائق، ويشوِّه الأحداث، ويثير الشبهات، ويحدث البلبلة،ولا يميِّز بين ما هو صادق وما هو غير صادق، ولا يعرف مصدر الأخبار أو الصور أو التقارير، وقد يكون فيها تلفيق أو تزوير، و ينقل كل رطب ويابس بدون تحديد المسئولية، وبدون التثبُّت والتأكُّد من صحتها ومصدرها، وتُسْتَغَلُّ هذه الوسائل للإساءة إلى الشخصيات والحركات والمنظمات والمؤسسات.

كل من يتابع الإعلام المعاصر بأنواعه القديمة والحديثة،يجد أن وسائل الإعلام المعاند يقوم بدعاية ضد الإسلام والمسلمين،ولا تترك فرصة إلا وتستغلها لتحقيق أغراضها حتى  الآفات والأوبية الفتاكة، والفيضانات والسيول، والزلازل والهزات،والاضطرابات وحوادث العنف والاعتداء، فتنسبها إلى المسلمين والإسلام معلنة أنها وقعت بسبب المسلمين أو تعاليم الإسلام، وتخوِّف الناس من الإسلام، وتنشر إسلاموفوبيا، والذعر من الإسلام، وتحدث الكراهية والعداء للمسلمين، كما يقع في البلد اليوم الذي يعيش فيه العالم من الشرق إلى الغرب فيروس "كورونا” المستجد (كوفيد 19)،وبلغ هذا الموقف المضلل حداً جعل الناس كارهين للإسلام، فتركز وسائل الإعلام الوطني وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي على عرض العاملين في مجال الدعوة ونشاطاتهم وتنقلاتهم كسبب رئيس في انتشار فيروس كورونا في البلد، وتنشر تقارير تغلبُها الدعايةُ والاختلاقُ ونسيجُ الخيال المرهب،كما تنشر زورًا أن غالبية المسلمين لا تلتزم بما تأمر به الحكومة والأطباء من اختيار تدابير احترازية وإجراءات وقائية خلال الإغلاق العام،ومراكز الحجر الصحي.

وتستغل وسائل الإعلام الأحداث اللافتة للانتباه، ومن الأخبار اللافتة في هذه الأيام انتشار فيروس كورونا والإصابات به،فقد أصبحت وظيفة وسائل الإعلام بثّ الخوف والذعر والشك والريبة في النفوس،وإبراز الإصابات بمرض كورونا بشكل يسبب الخوف والتشويش بدلاً من الطمأنينة والشعور بالعافية، وتستهدف وسائل الإعلام المغرضة طبقة خاصة، وتنشر أخباراً مشوشة، وإحصائيات مرعبة للمصابين بكورونا،فقال "مائيكل ريان” أحد المسئولين بمنظمة الصحة العالمية وهو يردُّ على سؤال وجَّهه إليه صحفيٌّ هنديٌّ عما يُرَوَّجُ عن دور مركز الدعوة بنظام الدين بدلهي في انتشار فيروس كورونا في الهند: ” لا تُسجِّلوا معدل الإصابات بفيروس كورونا المستجد(كوفيد 19) على أساس الديانة أو الجنس،وإن أصيب أحد بكورونا فلا جرم له،وشدَّد على عدم تسجيل معدل الإصابات بفيروس كورونا على أساس الجنس والديانة والعقيدة”.

وكذلك تستغل بعضُ الدول هذه الجائحة للإساءة إلى الدول المنافسة لها،فقد حدث اليوم وضع مرهب كالحرب الباردة،فالناس في الإغلاق العام يضطربون ويترددون بين التدابير الاحترازية والإجراءات الوقائية وبين الأخبار المرعبة لتفاقم عدد الإصابات والوفيات بمرض كورونا، وأخبار فقدان الكمامات والأدوات الطبية للوقاية من فيروس كورونا.

فإن وسائل الإعلام تلتقط الأحداث والوقائع في العالم، وتتناولها بالمناقشة والمباحثة من وجهة نظر خاصة، حسب ذوق ومصالح بيوت وأصحاب الإعلام،أو الوكالات التي تشرف عليها،فتثير قضايا تشغل أذهان القراء في الصحف والمشاهدين للتلفزيون والإنترنت، ويكسب الإعلام بذلك مادياً، وصح من قال: "إن الإعلام اليوم أصبح صناعة” ولذلك تهتم الشركات التجارية والأحزاب السياسية بالإعلام أكثر من غيرها، وانحرفت أجهزة الإعلام عن وظيفتها، ففقدت تقاريرُها وأخبارُها وإحصائياتُها المصداقية والاعتبار، فحدثت البلبلة الفكرية، وعم القلق الذهني، والاضطراب النفسي، والناس – مهما كان مبلغ علمهم- ينقلون التصورات والمرئيات والنظريات الشخصية عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي من  فيسبوك ويوتيوب وتويتر التي أطلقت الحرية لكل من يملك هذه الوسائل للتعبير عن الرأي .

ويصدق ذلك ما أفادته الصحف العالمية أن الحكومة البريطانية أطلقت حملة تهدف من خلالها لمكافحة انتشار الأخبار الكاذبة التي تتعلق بفيروس كورونا المستجد، مشددة على أهمية تقصِّي الحقائق، وعدم الانجرار وراء المعلومات الخاطئة أو المغلوطة، لما في ذلك من خطر على الفرد والمجتمع، على حد سواء.

وطبقًا للخبر الوارد أن هذه الحملة التي يشارك فيها إعلاميون ورُوَّاد تواصل اجتماعي عرب، تهدف إلى المساهمة في جهود وسائل الإعلام وتطبيقات التواصل الاجتماعي في المنطقة، في دحض الأخبار الكاذبة المتعلقة بالوباء، والحدّ من انتشارها، كما أنها ستساهم في إرشاد الجماهير إلى بعض من المصادر الموثوقة التي يتعين الحصول على معلومات دقيقة ومعتمدة منها، من بينها المنظمات الصحية الرسمية، مثل منظمة الصحة العالمية.

وقال مركز الإعلام والتواصل الإقليمي التابع للحكومة البريطانية، ومقره دبي، إنه سيتم استخدام وسم «تحقق قبل أن تصدق» على وسائل التواصل الاجتماعي التابعة للخارجية البريطانية باللغة العربية، بينها حساب الخارجية البريطانية على «تويتر» و«فيسبوك»، وحساب المتحدثة الرسمية باسم الخارجية البريطانية، روزي دياز، على كل من «تويتر» و«إنستغرام».

وستتضمن الحملة مجموعة من النصائح والوسائل التي تساعد القارئ على اكتشاف المعلومات المغلوطة والأخبار الكاذبة عن الفيروس، وتجنب الوقوع في شركها، كالتحقق من المصادر التي تستسقى منها المعلومة، وما إذا كانت موثوقة أم لا، بالإضافة إلى مراجعة المحتوى قبل القيام بنشره، لا سيما على منصات التواصل الاجتماعي.

من جانبها، قالت روزي دياز المتحدثة باسم الحكومة البريطانية: «إن الحكومة البريطانية تأخذ مسألة مكافحة الأخبار الكاذبة مأخذ الجد، وأتمنى أن تساهم الحملة التي أطلقتها في تسليط الضوء بعض الشيء على أهمية التحقق من المعلومات، قبل تصديقها، خصوصاً في وقت أصبح يصعب فيه فرز الأخبار المزيفة، والمعلومات المغلوطة، لأنه غالباً ما تكون هناك بعض الحقيقة المختلطة مع التضليل».

فإن تتزايد الإشاعات والأخبار الكاذبة والدعايات المضللة خطير، وهي تشكل تهديداً على الحياة الإنسانية بشكل أو بآخر، فلابدَّ من وضع الحدّ من انتشارها، لأن الإشاعات والأخبار المغلوطة تحول دون التوصل إلى الواقع الحقيقي و المعلومات الصحيحة.

وقد كتب الأستاذ محمد واضح رشيد الحسني الندوي أن الحرية المطلقة لاستخدام هذه الوسائل لنقل الأحداث ونقل التصورات والأفكار والاتجاهات تؤدي إلى بلبلة الفكر وتشويش الأذهان بنشر مواد تحمل التهجُّم على المعتقدات والنظريات، وتجرح المشاعر الدينية والوطنية والقومية والسياسية، وبهذه الحرية المطلقة يتعرض العالم اليوم لاضطراب فكري وعملي، وإذا لم يوضع حدّ لهذه الحرية المطلقة للإعلام وبروز التصرُّف الفردي المطلق في الأخبار والإعلام ، فإن العالم سيصبح مسرح صراع وتفكُّك يعيد العالم إلى ما كان عليه قبل الحضارة”.

محمد وثيق الندوي (مدير التحرير)