كل إناء بما فيه ينضح

الحرب في أوكرانيا تعيد تشكيل أسواق النفط العالمية
18 جون, 2022
الحج مخيم سنوي للتربية على الطاعة والانضباط في الحياة
17 جولائی, 2022

كل إناء بما فيه ينضح

محمد وثيق الندوي (مدير التحرير)

إن الحب الصادق الغامر لخاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم والاعتزاز بشريعته الإسلامية الخالدة، هو أصل شرف الأمة الإسلامية، ومصدر فخرها في هذا العالم، وكل مسلم ـ مهما كان انتماؤه ـ يحمل هذا الحب الغامر، وعاطفة الفداء والتضحية، والتفاني في سبيل حبيبه المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، هذا هو الشاعر اختر الشيراني من المدمنين للخمر والشراب، اجتمع مع فريق من الشباب الشعراء في فندق العرب في لاهور مرة، وفيهم شباب شيوعيون في غاية من الذكاء، وسلاطة اللسان، وكان الأستاذ الشيراني قد شرب كأسين من الخمر، وقد ملكته نشوة الخمر وفقد رشده، وأخذته رعشة في الجسم، ودار الحديث حول موضوعات شتى، وانتهز شاب شاطر منهم فرصة  نشاط الشيراني ومرحه فقال: ما رأيك عن سيدنا محمد؟ فلم يكد الشاب يتمّ جملته حتى تناول الشاعر السكران، كأس الزجاج وضربها على رأسه قائلا: يا قليل الأدب! أنت توجه هذا السؤال الوقح إلى رجل مذنب، معترف بشقائه، ماذا تريد أن تسمع من فاسق؟  وكان جسمه يرتعد، وانفجر باكيًا، وأجهش بالبكاء، وأقبل على الشاب الوقح يقول له في عنف وغضب: كيف سولت نفسك يا خبيث أن تذكر هذا الاسم النزيه المقدس؟ كيف تجاسرت على ذلك يا قليل الأدب، يا قليل الحياء، لماذا دخلت في هذا الحمى المقدس، تب إلى الله من هذا السؤال الوقح، إنني أعرف خبث باطنكم جيدًا وعرف الشر في وجهه وكأنه يريد أن يفتك  بالشاب ويسطو به، حتى أمر بإخراجه من المجلس، ثم قام بنفسه وبات طول الليل باكياً يقول: لقد بلغ هؤلاء الشباب الملحدون هذا الحد من الوقاحة والجراءة، إنهم يريدون أن ينزعوا منا آخر ما نعتز به ونعيش عليه من حب وولاء، وإخلاص ووفاء، إنني رجل مذنب، أعترف بذنبي، ولكن هؤلاء يحاولون أن نخلع ربقة الإسلام ونخرج من حظيرة الإيمان، لا والله لا نرضى بذلك.(المقتبس بتصرف من كتاب "الطريق إلى المدينة”  للشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي)

هنالك عدد من كبار الكتاب العرب وفيهم عملاق الأدب عباس محمود العقاد، وإبراهيم المازني، والأستاذ محمد حسين هيكل، صدرت بأقلامهم الثائرة كتب قيمة، كردود وافية شاملة على المتحذلقين المدعين الذين يتظاهرون بالمعرفة، ويحسبون أن التطاول على العظماء؛ بل وعلى الأنبياء، سمة من سمات المدنية والتقدم، والحضارة المعاصرة، ولازمة من  لوازم الاطلاع والفلسفة والعلوم المدنية، اجتمع العقاد مع زملائه وهم يتذاكرون ثناء توماس كارليل على النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال فتى متحذلق من الحاضرين:” إن بطولة محمد إنما هي بطولة سيف ودماء”، فثارت ثائرة العقاد وقال: ويحك ما سوغ أحد السيف كما سوغته أنت بهذه القولة النابية، وقال المازني:”بل السيف أكرم من هذا، وإنما سوغ صاحبنا شيئاً آخر يستحقه، وأشارت إلى قدمه”. (عبقرية محمد للعقاد)

وقد فطن الأعداء وخاصة بعد الهزائم المتكررة والنكسات المتتابعة في الحروب الصليبية أنه لا يمكن مواجهة المسلمين والتغلّب عليهم إلا بإفراغ بطاريتهم المشحونة بالجمرة الإيمانية، والحب الغامر الصادق لرسولهم وهم لا يتحمَّلون -بحال من الأحوال- أي سوء إلى شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، وبتجريدهم في العالم كله من الحمية الدينية، والعاطفة الإسلامية التي تحمل أصحابَها على التضحية والفداء، وتحمُّل الشدائد والمكاره في سبيل الله، والثورة على الباطل، كما رسم لويس التاسع ذلك في وصيته التي بدأت بسببها النهضة في أوربا، وحملةُ العداء والكراهية ضد الإسلام والمسلمين والتهجّم على رسولهم في العالم، وقد أوصى إبليس جنده وأتباعه بذلك فقال -كما صوره محمد إقبال في قصيدة عنوانها”وصية إبليس إلى تلاميذه السياسيين”- "وأخرجوا روح محمد صلى الله عليه وسلم من جسم المجاهد الذي يصبر على الجوع ولا يحسب للموت حسابًا، فيصبح قليل الصبر،  جزوعًا من الفقر، شديد الخوف من الموت، وأشغلوا العرب بالأفكار الغربية وانتزعوا  من  أهل الحرم تراثهم الديني، وتتمكنون بذلك من إجلاء الإسلام من الحجاز واليمن، ثم من العالم كله”.

فعمل الأعداء والحاقدون على الإسلام بهذه الخطة المنظمة، ونشروا كتبًا وبحوثًا هاجموا فيها الإسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، وساندهم في ذلك المتغرّبون من المسلمين، فنشأت مكتبة زائفة تشوّه الإسلام ونبيَّه، وهم يحاولون النيلَ من شخص الرسول صلى الله عليه وسلم من خلال الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم كما وقع أخيرًا في الهند، فثارت حفيظة المسلمين وغيرتهم ضد هذه الإساءة،حتى استشهد شاب مسلم خلال الاحتجاج ضد المسيئين،واعتقل عدد كبير منهم، وهدمت منازلهم.

 وإن المستشرقين بأخطائهم المنهجية طرحوا الكثير من النتائج والمعطيات الموضوعية الخاطئة- لا ننكر دورهم في خدمة العلوم الإسلامية -وهذا أمر طبيعي لأن الخطأ لا ينتج إلا الخطأ، والبعد عن الموضوعية لا يقود إلا إلى نتائج لا تحمل من روح العلم والجدية إلا قليلاً، فظلت كتابات الحاقدين نافقة لوجود طبيعة العداء للإسلام التي يتوارثها الحاقدون كابرًا عن كابر،ولا تزال كتبهم عامل هدم وتدمير وتضليل.

وقد حذا حذوهم في هذا التضليل عدد غير قليل من الكتاب المسلمين الذين تربّوا في أحضان الأعداء، وشوه هؤلاء الحاقدون صورة الإسلام وعرّضوا تصورًا مضلاً عن الرسول وحياته الكريمة، وقد أصبح هذا التصوُّر المضلل سائدًا في أوربا،والهندُ أيضاً ليست بنجوة منه، وما جري فيها أخيرًا من حملات الإساءة إلى شخص الرسول صلى الله عليه وسلم، يدل على ذلك دلالة واضحة.

إنها محاولات قديمة حديثة مستمرة، يمارسها الأعداء بتخطيط محكم مدروس، وتستهدف تشويه الإسلام وعزلَه من حياة المسلمين بخاصة والناس بعامة،وهدفُ الأعداء من تماديهم في الإساءة إلى الرسول صلى الله عيه وسلم، إنما هو القضاء على اتصال المسلمين بنبيهم الكريم وحبهم العميق له، لأن عرض شيء حسن في صورة بشعة باستمرار ينفر صاحبه منه، وإذا تجرّد المسلمون عن هذا الجوهر وهو الاتصال الدائم بنبيهم، انحطوا ووقعوا في قعر المذلة، ثم يسهل للأعداء عزلُ المسلمين عن الدين الإسلامي حتى لا تعود للمسلمين المكانة التي كانت لهم في الماضي والتي يمكن أن تكون لهم في الحاضر والمستقبل، إذا تمسكوا بما جاء به رسولهم العظيم صلى الله عليه وسلم.

فما أحرانا أن نتأسى بالأسوة المحمدية، ونطبق على حياتنا ما جاء به صلى الله عليه وسلم من تعليم وخلق، ومثل إنسانية نبيلة وقيم كريمة،  وننشر خلقه العظيم، وسيرته العطرة، وأسوته المثالية بين الناس بأسلوب ملائم للطبيعة المعاصرة.