المساواة ومكافحة العنصرية بين الدعاية والواقع

بروز قوة جديدة ما بعد كورونا وفرصة للدعاة إلى الإسلام
9 يونيو, 2020

المساواة ومكافحة العنصرية بين الدعاية والواقع

الحضارة تعني احترام الجميع، وروح التعاون والتعايش السلمي، والعدالة الاجتماعية والمساواة بين مختلف الطبقات، ورعاية حقوق الإنسان بدون أي تمييز على أساس الدين واللون واللغة والعقيدة والجنس والإثنية والطبقية، ومكافحة العنصرية، وتوفير فرص التعبير والعمل والتقدُّم والرفاهية للجميع بغض البصر عن انتماءاتهم وأصولهم.

وتدعي الدول الغربية وخاصة أمريكا باحترام الإنسان وصيانة حقوقه، والمساواة،وإقرار الأمن والسلام، والعدل والإنصاف،ومنح حرية التعبير والعمل لسائر الناس حسب عقيدتهم وتصورهم،واستقبال الوافدين من أتباع الأديان المختلفة،وكانت حالة الأمن وحرية العمل والتعبير في أمريكا وأوربا في الماضي، تجذب المضطهدين والمظلومين، والمنكوبين في مختلف أنحاء العالم، فأصبحت أمريكا موطنًا للجنسيات المتنوعة والقوميات المختلفة من آسيا وأفريقيا،كما أصبحت أمريكا مصدر عون وإيواء للوافدين والمضطهدين، كما يشير إلى ذلك تمثال الحرية الشامخ في نيويورك وهو يحمل شعلة الحرية،ويهتف بالناس بهذه الأبيات التي قالتها الشاعرة الأمريكية “إيما لازا روس”:

“أعطوني المرهقين منكم، والبؤساء، وجميع الأكداس البشرية التي تهفو إلى نسيم الحرية.

أولئك التعساء الذين رمتهم شواطئكم الصاخبة.

أرسلوا إليَّ هؤلاء الذين لا مأوى لهم.

الذين طوحت بهم العاصفة.

فإنني أرفع لهم شعلتي عند الباب الذهبي”. ( “أمريكا وإسرائيل”للدكتور محمد معروف الدواليبي،ص:6)

ولكن هذه الطبيعة طبيعة التسامح والحرية والإغاثة والمساواة التي كانت شعار أمريكا، تغيرت بعد انفكاك النظام الشيوعي في روسيا،بل وقد تعرض الأمريكيون من أصول إفريقية لأسوأ سلوك تمييزي وعنصري بأيدي البيض، مع أن أمريكا تتدخل في شئون دول العالم باسم رعاية حقوق الإنسان ومكافحة العنصرية، فلماذا تهتف أمريكا قائلة:” أرسلوا إليَّ هؤلاء الذين لا مأوى لهم، وهي تساهم في الاعتداء على الأمريكيين من أصول إفريقية،وتمارس العنصرية البغيضة؟ ولماذا تناقض أمريكا نفسها أشد المناقضة؟ ولماذا تسلط البيض على السود، يذيقونهم أشد العذاب، ويحرمونهم من حقوقهم؟.

أفادت الأنباء الأخيرة –كما نشرت واشنطن بوست (ترجمة وتحرير “نون بوست” في “اليوم السابع”)-“أنه اندلعت احتجاجات واسعة في منيابولس في أعقاب مقتل مواطن أمريكي من أصل أفريقي جورج فلويد ( George Floyd)‏-46 عام- في 25/ مايو 2020م في مدينة منيابولس بمينيسوتا في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد قام ضابط شرطة منيابولس «ديريك تشوفين» بالضغط على عنق فلويد لمنعه من الحركة أثناء الاعتقال لما يقارب تسع دقائق، أثناء ذلك قيَّد شرطيان آخران جورج فلويد بينما منع رابع المتفرجين من التدخُّل، خلال دقائق بدأ فلويد بالصراخ وبشكل متكرر: «لا أستطيع التنفس» لكن الضابط تجاهل توسلاته، وقد سجّل هذا الحادث أحد المارة على هاتف ذكي،وانتشر على نطاق واسع على منصات وسائل التواصل الاجتماعية، وبثته وسائل الإعلام.

وجاء مقتل فلويد بعد شهرين من إطلاق ضابط شرطة في مدينة لويفيل النار بشكل قاتل على “بريونا تايلور” – 26 عامًا – في أثناء مداهمة منزلها،بينما يدمر الفيروس المجتمعات السوداء بمعدل أعلى من المجموعات العرقية الأخرى، فإن المواطنين السود يواصلون مواجهة تهديد آخر وهو عنف الشرطة، رغم أن كلتا المشكلتين نتيجة للعنصرية الهيكلية في الولايات المتحدة، فإن عنف الشرطة اليوم يضرب في عمق نسيج الحياة الأمريكية، وربما يتجاوز تهديد فيروس كورونا.

يتبع مقتل “فلويد” و”تايلور” النمط المأساوي للعنف العنصري الذي تقبله أمريكا،وشكّل تاريخ الولايات المتحدة لقرون، ففي عصر العبودية كانت حياة المواطنين السود مقيدة بجماعات منظمة للرجال البيض الذين يحافظون على نظام المستعبدين، وفي أعقاب الحرب الأهلية ظهرت القوانين السوداء التي تحكمت في حقوق السود، وقيدت حرية انتقالهم، مما شجع قوات الشرطة الناشئة وجماعات الاقتصاص البيضاء على القيام بأعمال عنف تحت ستار “القانون والنظام”،وكانت قوات الشرطة العنصرية تدعم العصابات البيضاء العنيفة بدلًا من مواجهتها،لذا في معظم المدن بجميع أنحاء البلاد تستهدف قوات الشرطة المواطنين السود وتعتقلهم بمعدل أعلى من نظرائهم البيض، أما في الولايات الجنوبية فهم محاصرون في نظام من الاستغلال يعكس العبودية.

وقد كتبت الصحفية والناشطة المناهضة للإعدام خارج القانون “إيدا ويلز بارنيت” في كتابها “السجل الأحمر”:” أن إعدام الأمريكان السود خارج نطاق القانون لم يكن فقط مخطط له مسبقًا، لكنه كان يحظى بالدعم الكامل من الشرطة المحلية، وفي كثير من الأحيان كانت الشرطة تشارك في العصابات البيضاء التي تهاجم الرجال والنساء السود”.

كانت فترة الثمانينيات والتسعينيات دليلًا على أن حلم كينج (الذي أشار إليه في خطابه الشهير “لدي حلم”) بأمة دون عنف الشرطة ووحشيتها لن يصبح واقعًا، فمن القضايا الشهيرة للشرطة في مدينة نيويورك – مثل مايكل ستيورات 1983م وإليانور بامبرز 1984م ومايكل جريفث 1986م وإدموند بيري 1985م يوفون سمولوود 1987م وأبنر لويما 1997م وآمادو أنجليس 1991م – إلى ضرب الشرطة الوحشي لرودني كينج في لوس أنجلوس عام 1991م، كانت جذور الشرطة الأمريكية مرتبطة بالعنصرية الهيكلية.

أصبح المواطنون السود أكثر عرضة للاعتقال وإطلاق النار المميت بواسطة الشرطة عن نظرائهم البيض، ونادرًا ما كان يُتهم رجال الشرطة بقتل مواطنين سود غير مسلحين”.

وكشف تقرير عام 2019 أن عنف الشرطة الآن أحد الأسباب المؤدية لموت الرجال السود في الولايات المتحدة، وكما أوضح تقرير “Say Her Name” للمنتدى السياسي الأمريكي الإفريقي، فإن النساء والفتيات السود يتعرضن أيضًا لعنف الشرطة ووحشيتها”. ( المصدر: واشنطن بوست)

فإن هذه الحقائق والوقائع تدل على أن المواطنين السود ما زالوا يواجهون التمييز العنصري، ويُعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية في أمريكا منذ قرن مضى.

وقد ورد في ويكيبيديا:” أن العنصريّة موجودة في الولايات المتّحدة منذ الحقبة الاستعمارية، فقد أُعطي الأمريكيّون البيض امتيازات وحقوقاً انحصرت بهم فقط دون كلّ الأعراق الأخرى، مُنح الأمريكيون الأوروبيّون (خاصّة البروتستانت الأنجلوسكسونيون البيض الأغنياء) امتيازات حصريّة في مسائل التّعليم والهجرة وحقوق التّصويت والمواطنة وحيازة الأراضي والإجراءات الجنائيّة طوال التّاريخ الأمريكي، ومع ذلك، فكثيراً ما عانى المهاجرون من غير البروتستانت الذين هاجروا من أوروبا، وخاصة الأيرلنديين والبولنديين والإيطاليّين، من حالة إقصاء الأجانب وغيرها من أشكال التمييز في المجتمع الأمريكي وذلك حتّى أواخر القرنِ التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بالإضافةِ إلى ذلك، واجهت مجموعات أميركيّة من الشرق الأوسط مثل العرب تمييزًا مستمرّاً في الولايات المتحدة، ونتيجةً لذلك، لم يتمّ التعريف ببعض الأشخاص الذين ينتمون إلى هذه المجموعات على أنّهم من أصحابِ البشرة البيضاء، كذلك واجه المهاجرون من جنوب وشرق وجنوب شرق آسيا التمييز العنصريّ في الولايات المتّحدة.

واشتملت العديد من المؤسّسات الرئيسيّة المبنيّة على الأساس العنصري والعرقي على العبودية والفصل العنصري، واحتجاز الهنود الحمر، ووضعهم في مدارس داخلية، وقانون الهجرة والتجنس، ومعسكرات الاعتقال، تمّ حظر التمييز العنصري الرسميّ بشكلٍ واسعٍ في منتصف القرن العشرين وأصبح يُنظر إليه على أنّه غير مقبول اجتماعيا وأخلاقيّاً، ولكن تبقى السياسة العنصريّة ظاهرة كبرى، ولا تزال العنصرية تنعكس في عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية. ولا تزال الطبقيّة العنصريّة موجودة في التّوظيف والإسكان والتعليم والإقراض والحكومة”.

وترى الأمم المتّحدة وشبكة حقوق الإنسان الأمريكيّة أنّ التمييز في الولاياتِ المتّحدة يتخلّل جميع جوانب الحياة ويمتدّ إلى جميع الأعراق غير البيضاء”.

ويقول محمود صقر في مقاله “العنصرية إكسير الحياة للغرب” (المجتمع”، 19/يونيو2020م): العنصرية هي النافذة التي ينظر منها الغرب لشعوب العالم،ومن السطحية التعامل مع العنصرية الغربية من زاوية انتهاك حقوق السود داخل بلادهم فقط!

والعنصرية داء بشري قد يصاب به آحاد الناس من أي ملة أو قومية، ولكنه بالنسبة للغرب تاريخ وثقافة وحاضر ومستقبل.

فكما استباحوا بالأمس إبادة سكان أمريكا وأستراليا واستباحوا احتلال أفريقيا وآسيا، وكل هذا بزعم إهداء مشعل الحضارة الغربية للشعوب الهمجية المتخلفة، ما زال حاضرهم على المنوال ذاته يسير”.

وقد نشرت “مجلة المجتمع”(18/يونيو 2020م) تقريرًا يقول فيه رئيس الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين (NAACP) ديريك جونسون: إن الأمر لا يتعلق بحادث واحد، ولكن للعنصرية طبيعة منهجية واسعة في الأمة الأمريكية يجب معالجتها.

ويعرّف ديريك جونسون العنصرية الممنهجة، التي تسمى أيضاً العنصرية البنيوية أو العنصرية المؤسسية، بأنها “أنظمة وهياكل تضم في داخلها إجراءات أو عمليات تلحق الضرر بالأمريكيين من أصول أفريقية”.

ويعرفها جلين هاريس، رئيس منظمة “Race Forward”، وهي منظمة تقاوم العنصرية، بأنها “التفاعل المعقد بين الثقافة والسياسة والمؤسسات التي تأتي بالنتائج التي نراها في حياتنا”.

وتمنع العنصرية الهيكلية أو تجعل من الصعب على الملونين المشاركة في المجتمع وفي الاقتصاد، وتتجلى العنصرية الهيكلية في فصل المؤسسات، ويشدد هاريس على أن عوامل مثل انعدام الأمن السكني، وفجوة الثروة العرقية، والتعليم والشرطة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعنصرية الهيكلية”..( مصدر: “US TODAY”.)

فإن تاريخ أمريكا ملئ بوقائع التمييز العنصري مع السود وممارسة العنف والظلم والاعتداء عليهم، وقد أثارت الحادثة الأخيرة التى شهدت عنفا مفرطا من قبل شرطة الولايات المتحدة الأمريكية ضد المواطنين من أصل أفريقى، التساؤلات حول مدى احترام أمريكا لحقوق الإنسان داخل أراضيها، فى الوقت الذى تستخدم فيه أمريكا قضايا حقوق الإنسان فى دول أخرى كذريعة للتدخل فى الشئون الداخلية لهذه الدول.

وإن كل ما تقوله أمريكا وتطالب به بشأن الحقوق الإنسانية مجرد ادعاءات لا أكثر،وإن حادثة منيابولس كشفت عن وجه دموى لأمريكا وادعائها الفضيلة رغم ممارستها العنف سواء فى داخل بلادها أو خارجها،وإن هذه الحادثة ليست بالجديدة، فقد ذكر المؤرخون أكثر من مائة حادثة للعنف العنصري والتمييز العنصري الذي قد تعرض له السود في أمريكا خلال الفترة الطويلة الممتدة على أكثر من خمسين ومائة سنة ماضية.

فإن أمريكا تنتقد دائماً أوضاع حقوق الإنسان فى العالم وخاصة العالم العربي والإسلامي،مع أنها ترتكب جرائم تجاه حقوق الإنسان ولا يحاسبها أحد.

وأما الإسلام فلا يفرق بين الناس، مهما كانت انتماءاتهم وأصولهم؛ وأوضح دليل على ذلك ما جاء في خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حالة غلبته والوضع الذي كان يحق للمسلمين والعرب أن يفاخروا ويعتزوا “يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد ألا إن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.

ويقول القرآن الكريم: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” [الحجرات:13].

إن هذه التعاليم ليست تعاليم فقط؛ بل نفذت وسادت هذه التعاليم في عهد غلبة المسلمين، فلم يميزوا بين إنسان وإنسان، وطبقة وطبقة، ودين ودين، وثقافة وثقافة، ولا بين غني وفقير، فلا قومية ولا وطنية ولا طائفية،ولا عنصرية،ولا تمييز على الأساس الاقتصادي ولا السياسي، ففي الإسلام الناس سواسية كأسنان المشط.

مدير التحرير (محمد وثيق الندوي)