عاصفة يواجهها العالم الإسلامي والعربي (4)

وفاة الأستاذ محمد ياسين مظهر الصديقي الندوي
3 اکتوبر, 2020
الحقائق تدعوكم أيها العرب
21 اکتوبر, 2020

عاصفة يواجهها العالم الإسلامي والعربي (4)

الردة سلبية دائماً، ولا تقوم إلا على أنقاض الديانة القديمة، ومحاربتها:

وهذه طبيعة الردة والثورة على دين وعقيدة، في كل زمان ومكان، تسالم كل شيء وكل عدو، وترق معه وتساومه، إلا الدين الذي فارقته، والشعب الذي انشقت عنه، إن وضع الردة غير وضع الكفر، إن الردة لا تقوم ولا تعيش إلا على أنقاض الديانة القديمة، وأشلاء أبنائها وأتباعها، إن مصيرها ومستقبلها مرتبطان بالعداء للإسلام، فإنها سلبية في كل مرحلة من مراحل حياتها، وهي تؤمن بمبدء "إمام إسلام وإما ردة” وقد عاش الكفر والإسلام آلافاً من السنين في حدودهما، ولكن الردة لا تستطيع أن تعيش بجوار الإسلام راضية بالخط الذي رسم بينهما، إن غذاء الردة ووقودها من محاربة الإسلام ومحاولة القضاء عليه، فلا يعرف صاحب الردة روح التسامح، ومبدء "التعايش السلمى”.

موجة طاغية من الردة الفكرية والعقائدية في بعض الأقطار الإسلامية والعربية:

وتكتسح الآن بعض الأقطار الإسلامية والعربية موجة طاغية من الردة الفكرية والعقائدية، تأكل الأخضر واليابس، موجة عارمة قوية، كموجة البحر الهائج المائج، لا تعرف الرحمة والرقة، ولا تأجيل ساعة، موجة تريد أن تبتلع كل ما اعترض في سبيلها من قيم ومفاهيم، وعقائد وتصورات، وشعائر ومظاهر، إننا نرى – ومعذرتي إلى هؤلاء الإخوان الذين ينتسبون إلى هذه البلاد – في بعض هذه الأقطار، انصرافاً شديداً عن كل ما يمت إلى الإسلام بصلة، كأن سائقاً عنيفاً يسوق قادتها إلى غاية معينة، وكأنهم يريدون أن يتداركوا ما صدر من آبائهم، والأجيال السابقة من حمل مشعل الإسلام، ورفع رايته في الأقطار البعيدة، وإنقاذ الأمم من جاهليتها ووحشيتها، في أسرع وقت وأقرب مدة، وكأنه كان ذنباً يجب التكفير عنه، وتلافيه في أول فرصة، فيريدون أن يكملوا حساب قرون في شهور، وحساب شهور في ساعات، إنهم يريدون أن يسيروا بشعوبهم ومجتمعاتهم التي لا تعرف غير الإسلام، بخطى سريعة، ولكن حاسمة، جاهليتها الأولى، أو إلى جاهلية القرن العشرين، حتى يتعدوا في ذلك حدود الإنسانية، ومبادئ حقوق الإنسان، وحربة الرأي، ومبادئ الجمهورية البسيطة الأولية، ويدوسونها بأقدامهم، وقد يتظاهرون بوحشية وقسوة يندر نظيرها في تاريخ الأمم الوحشية، وفي عهد محاكم التفتيش في أوربا في القرون الوسطى المظلمة، فلا يتحاشون عن قتل وإحراق وتعذيب، ولا يبالون بنقد أو لائمة أو احتجاج، وهذه قصة الصومال، وقد أصبح حديثها الحديث العام والشغل الشاغل(1).

وكيف يطيب لي أيها الإخوة الكرام، وكيف يطاوعني لساني إذا أشرت إلى ما يقع في اليمن الجنوبي، وفي عدن، اليمن الذي وصفه لسان النبوة برقة الأفئدة ولين القلوب، والإيمان والفقه والحكمة(2)، اليمن الذي انتهت إليه إنكار ضروريات الدين، وعلى منصب الرسالة وحامله الأخير عليه ألف ألف سلام لم تصدر إلى الآن من زعيم يتسمى بالإسلام، ويتزعم شعباً مسلماً، هذا عدا بعض الأقطار العربية الإسلامية التي نسبة المسلمين العرب فيها أكثر من تسعين في المائة، وقد قادت العالم الإسلامي مدة طويلة وحكمت أكبر رقعة من العالم المتمدن المعمور في الزمن الماضي، وتداولت الخلافة الإسلامية لأطول مدة، يحكمها الآن الأحزاب التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، وتؤمن بالمبادئ الاشتراكية، والقومية والعلمانية، وإن كان الأمر بالخيرة، وجاز التبادل رضى بعض المسلمين – وسأكون في مقدمتهم – بأن يكون أي قطر إسلامي مكان الأقطار العربية في هذه المحنة العقائدية، والخلقية، ويكون فدية لهذا القطر العربي، فإنه مادة الإسلام ورأس ماله ورصيده، والعالم الإسلامي كله امتداد لمركز الإسلام الأصيل، وربح يضاف إلى رأس المال، ولكن ليس الأمر بالخيرة، وليست القضية قضية تبادل ومساومة.

كيف استطاع القادة أن يقودوا حركة الردة والثورة على الإسلام:

وأريد أن أقول لكم إن الثورة على الدين والانصراف عنه والزهد فيه، ينحصر في نطاق القادة الموجهين، والزعماء الذين هلكوا زمام هذه الأقطار، والشعوب بريئة من هذه الردة، والجماهير تكره هذه الاتجاهات كراهة شديدة، وهي ساخطة عليها متذمرة منها، ولكنها مغلوبة على أمرها، تساق كالغنم، وتدفع إليه دفعاً، ولكن أقول بصراحة: إن هذه الشعوب لا تتخلى عن تبعة هذه الاتجاهات المعادية للإسلام وعن مسئوليتها، فقد أصيبت بضعف الحمية الدينية والشعور الديني، واحتمال كل تحد للإسلام، والاستسلام للأمر الواقع والإخلاد إلى السكون والدعة، وإيثار الهدوء والسلامة على المغامرة والمخاطرة بالنفس والملذات والفوائد الشخصية، من زمن طويل لأسباب كثيرة ليس هذا محل شرحها والإفاضة فيها، ولولا هذا، لما تمكن هؤلاء القادة المتجهمون للإسلام، المحاربون لتعاليمه ومبادئه، من الوصول إلى كراسي الحكم، ومقاليد الأمور، ولما تبوؤا الزعامة والقيادة، ولو قفزوا إليها وتمكنوا منها بدهائهم، وبتمكين الأجنبي، أو بخدعة وتلبيس، لما استطاعوا البقاء في هذا المركز مدة طويلة، فإن الصحة أصل، والمرض طارئ والجسم السليم القوي يحمى نفسه من المرض، وإذا أصيب به في حين من الأحيان، فإن قوة المدافعة التي أودعها الله في الجسم السليم تتغلب عليه، وتنفيه، ولا يتسلط زعيم فاسد على شعب إلا إذا كان فيه استعداد لقبوله، وكان فيه خنوع واستسلام.

الهوامش:

(1) قد أذاعت وكالات الأنباء، وبعض الصحف الأوربية، أن جمعاً من العلماء (يبلغ عددهم إلى عشرة) فتلوا حرقاً، لأنهم عارضوا بعض الأحكام الرسمية الجديدة التي تتعارض مع النصوص القرآنية، والمقررات الإسلامية، كالمساواة بين المرأة وا لرجل في التركة وحق الطلاق وغيره.

(2) "إن وفداً من اليمن قدم إلى المدينة فاستبشر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال لأصحابه، كما جاء في حديث صحيح أخرجه الشيخان: "أتاكم أهل اليمن أرق أفئدة، وألين قلوباً، الإيمان يمان: والحكمة يمانية” وفي رواية لهما "والفقه يمان”.

 

(الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي)