الصراع بين أرمينيا وأذربيجان وخلفيته التاريخية

الشيخ عبد الباري الندوي: حياته ومنجزاته
12 نومبر, 2020
الرمزية في الشعر العربي القديم
12 نومبر, 2020

الصراع بين أرمينيا وأذربيجان وخلفيته التاريخية

اندلعت معركة عنيفة في 27 من سبتمبر المنصرم 2020م بين الجيش الأذري والأرميني في منطقة "نارغورنو قره باغ”، وهذه المنطقة كانت ذات نزاع بين البلدين منذ حصل لهما الاستقلال من روسيا، وذلك لأن جمهورية ما وراء القفقاس الفيدرالية عندما انهارت في مايو 1918م بدأ النزاع الإقليمي في تخطيط حدود الدول الثلاثة التي تحررت، وهي أرمينيا وجورجيا وأذربيجان، ثم قضى على هذا الصراع ما اتفقت عليه دول الحلفاء من قرارات بالدول الثلاثة وحدودها في المؤتمر الدولي في فرساوي عام 1920م، وكان إقليم "قره باغ” حينذاك ضمن حدود أذربيجان الدولية.

ولا يغيبن عن أذهاننا أن أذربيجان دولة من دول الشرق الأوسط المسلمة المجاورة لروسيا كـ”أزبكستان” و”قزاقستان” و”قرغيزستان” و”تركمانستان” و”تاجكستان” وكانت رئاسة أذربيجان تتولاها الخلافة العثمانية، وحينما انهارت الخلافة في الحرب العالمية الأولى سيطرت روسيا على أذربيجان، ولكن سكانها قاوموها وضحوا في سبيل استقلال بلادهم، حتى تحررت منها في 28/5/1918م، ولكن هذا الاستقلال لم يدم أكثر من 23 شهراً إذ احتلها الجيش الأحمر في 27/أبريل 1920م فأصبحت أذربيجان عضواً من جمهورية القفقاز الاشتراكية السوفيتية الاتحادية، ثم تحررت دولة أذربيجان مثل بلدان الشرق الأوسط الأخرى من الاتحاد السوفيتي بعد انفكاكه عام 1991م.

تقع دولة أذربيجان بين غرب آسيا وشرق أوربا، وتحد ثلاثة جوانبها الجبال الشامخات والأرض المسطحة، كما تتلاطم أمواج بحر الروم على جانب، وعدد سكانها حسب إحصائيات جديدة أكثر من عشرة ملايين نسمة، ولغتها الرسمية أذرية خطها خط رومن كاللغة التركية، وهي تمتلك الذخائر الطبيعية كالذهب والفضة والحديد والنحاس، كما يقال إن ثلثي أرضها غنية بالنفط والغاز الطبيعي، وهي موطن لمجموعة واسعة من المناظر الطبيعية البهيجة، ويحدها أرمينيا إلى الغرب، وهي دولة أكثر سكانها مسيحيون، وأرضها قطعة يابسة منقطعة من بحر كبلاد نيبال وأفغانستان وهي بلد صناعي.

وما يدور اليوم من صراع بينهما في منطقة "ناغورنو قره باغ” تعود جذوره إلى أكثر من قرن، وهي منطقة داخلة حدود أذربيجان تاريخياً وجغرافياً، تقع في الجزء الغربي منها على بعد 270 كلو متراً من عاصمتها "باكو”، ثم بعد أن تم تأسيس الحكم السوفيتي في كلا البلدين عام 1920م، أكد مكتب القوقاز للحزب الشيوعي الروسي بقراره الصادر في 5/يوليو 1921م على بقاء "ناغورنو قره باغ” داخل جمهورية أذربيجان، ولكن غالبية سكانها من الأرمن المسيحيين، وذلك مما جعل أرمينيا تدعي ملكيتها لها، ومنذ ذلك الحين بدأت تندلع نار الاشتباكات بسبب هذا الصراع، بل أدى أحياناً هذا الصراع إلى حرب دامية بينهما، مع أن الأمم المتحدة وبلدان العالم كله تعترف بأن منطقة "ناغورنو قره باغ” جزء من أذربيجان لا ينفصل، ولكن أرمينيا تسود المنطقة وتسيطر عليها بدعوى أنها تحافظ على سكانها المسيحيين، ولم تكتف أرمينيا بذلك بل تقدمت خطوة وأقامت فيها جيشه بعدد كبير، ويشكل المسلمون في "ناغورنو قره باغ” أقلية، يعانون من عصبيات شديدة في مجال التجارة والسياسة والوظائف الحكومية، ولجأت الحكومة الأذرية إلى المفاوضات لاستنقاذ هذه المنطقة من الاحتلال الأرميني، ولكن الحكومة الأرمينية لم تنسحب جيوشها منها، حتى أصدر مجلس الأمن للأم المتحدة أربع قرارات بشأن المنطقة صرحت فيها بأنها أنها جزء من أذربيجان، ولكن كل ذلك لم يؤثر في النفوذ الأرميني على المنطقة، فقالت الأمم المتحدة، إن قرارات مجلس الأمن الدولي المعلقة بضرورة انسحاب القوات الأرمينية من إقليم قره باغ لا تزال قائمة.

كانت دولة أذربيجان لم تمتلك الطاقات العسكرية مثل جارتها حتى إنها لم يتيسر لها الأسلحة والآلات الحربية كما كانت متوفرة عند أرمينيا، لذا كلما قاوم الجيش الأذري الحكومة الأرمينية لم تتحقق جهوده بالنجاح، حتى بدأت الأحوال تتغير بعد عام 2002م، وما زالت تستمر أذربيجان سيرها إلى الرقي والازدهار، وانكبت في استخدام ما أودع الله سبحانه وتعالى في أرضها من الذخائر الطبيعية حتى نجحت الحكومة الأذرية في استلفات انتباه بلدان العالم إليها للاستثمار، فقامت بعض منها بالاستثمار في أذربيجان، كما إنها بذلت قصارى جهودها لإصلاح نظامها الداخلي والخارجي، وتوفير الطاقات والوسائل العسكرية، واشترت الأسلحة الجديدة، فلما استأنف الجيش الأرمني إشعال نار الحرب أخيراً قاومه الجيش الأذري مقاومة شديدة عنيفة، فدمر خلال هذه المواجهات العنيفة أكثر من عشرين دبابة وطائرة مسيرة وأربع صواريخ لأرمينيا، ودخلت قوات أذربيجان ثلاثين قرية خاضعة لسيطرة الأرمينيين، فلم يجد الجيش الأرمني بداً من أن يتقهقر ويتخلف من خط الخلاف بين الطرفين في منطقة ناغورنو قره باغ.

 

عبد الودود الندوي