وفاة الشيخ أمين سراج رحمه الله تعالى (1)

لغة الحضارة (2)
4 مارچ, 2021
نظرة على أعلام القرن العشرين في الهند وإنتاجاتهم الأدبية باللغة العربية (2)
4 مارچ, 2021

وفاة الشيخ أمين سراج رحمه الله تعالى (1)

نعى الناعون الليلة (ليلة السبت الثامن من رجب سنة 1442هـ المصادف 20/فبراير 2021م) شيخنا المجيز العالم الصالح أمين سراج رحمه الله رحمة واسعة، ولعمري لقد جاؤوا بنبأ حزين فأوجعوا، نعوا العالم التقي النقي، كريم السجايا، حلو الشمائل، باسق الأفعال، قالوا: مات ذو المجد، قلت: صدقتم، مات ومات معه عهد، مضى وقد تضعضع بموته قومه وأصحابه، واسودت لهم المناظر واسكتت عليهم المسامع، وبكى عليه جامع الفاتح المعمور بدروسه منذ ستين عاما، مضى حين لم يبق عالم أو طالب في المشرق والمغرب إلا وهو بإجازته فخور، وبالاتصال به سعيد.

وهو العلامة الشيخ المحدث الفقيه محمد أمين سراج بن الشيخ مصطفى بن أسعد بن يوسف بن علي السراج.

قام أبوه بتحفيظ مئات من الطلبة في تلك المنطقة، فصاروا فيما بعد أئمة ومؤذنين في المساجد، توفي عام 1960 في قريته، وكان جده الأكبر علي سراج أفندي قد درس في مدارس الفاتح في إسطنبول، فأصبح قاضيا في مدينة باطوم في العهد العثماني، وهي الآن عاصمة آجارا ذات الحكم الذاتي في جورجيا، وجده لأمه هوعزير أفندي كان تلميذا للشيخ بحر الله أفندي في توقاد، وبحر الله أفندي هذا كان الناس يعتقدون أنه من أولياء الله تعالى، وله زاوية مشهورة في قرية أكسلْ التابعة لقضاء أربعة، وكان الشيخ بحر الله خليفة للشيخ مصطفى عصمت افندي النقشبندي اليانياوي المدفون بجوار مسجده في حي الفاتح في إسطنبول. وكان السلطان عبد المجيد أبو السلطان عبد الحميد منتسبا إلى الشيخ عصمت أفندي هذا. رحمهم الله تعالى.

وأمه هي السيدة خديجة هانم وكانت من صالحات النسوان في بلدتها، وكانت تعلم النساء أمور دينهن وتقرأ عليهن من الكتب المشهورة المتداولة هناك في الأناضول مثل كتب المحمدية، وقرا داوود، ومزكي النفوس وغيرها، وأنجبت من زوجها ثمانية أولاد، توفي من بينهم فاطمة وعائشة ومصطفى في مرحلة الرضاعة، وعاش بهاء الدين، ومحمد أمين، وعثمان، ويوسف، وأمينة. وكلهم من حفظة القرآن الكريم تحت إشراف أبيهم.

ولد الشيخ محمد أمين سراج في قرية (طان اوبا) وهي تابعة لقضاء (أربعة ) بمحافظة (توقاد) شرقي تركيا في أول يوم من شهر رمضان المبارك عام 1348 للهجرة الموافق لـ 31 يناير / كانون الثاني 1930 للميلاد.

أكمل حفظه للقرآن الكريم وهو ابن عشر سنوات، وقرأه أمام الناس في شهر رمضان عام 1940 م في مدينة نكسار، ثم في مدينة مرزيفزن التابعة لمحافظة أماسيه عام 1943 م، وكان يحب أن يركب الخيل، فسقط منه مرة وجرح ثم شفي.

وأرسله أبوه مع أخيه الأكبر بهاء الدين عام 1943 م إلى الشيخ علي حيدر أفندي (1846-1960) شيخ زاوية عصمت أفندي في إسطنبول. وسلمهما الشيخ إلى إمام جامع الفاتح عمر أفندي (1889- 1952)، فعلمهما علم التجويد ثم كتاب (التلخيص) في النحو.

ودرس أيضا في جامع الفاتح على الشيخ مصطفى أفندي الكُـمُـلْجِـنَوي، والشيخ خسرو أفندي الأرناؤوط، والشيخ سليمان أفندي كبير مشرفي الجامع نفسه، والشيخ المحدث إبراهيم إفندي، ومدة قصيرة جدا درس على الشيخ سليمان أفندي السِيلستروي، درس عندهم شرح العقائد، ومرآة الأصول، وتفسير القاضي البيضاوي، ومراقي الفلاح، واللباب شرح القدوري، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم، ومشكاة المصابيح، وكتاب الشفاء للقاضي عياض، وشرح التلخيص.

لما بلغ في العلم إلى مرتبة لا بأس بها، قال له شيخه علي حيدر أفندي: – لا بد من سفرك يا بنيّ إلى مصر لتحصل على علوم الشريعة، و لا يمكننا هنا أن نعطيك أكثر من هذا تحت هذه الظروف السياسية الصعبة. وبعد عدة محاولات لتأمين جوازات له ولأخيه الصغير عثمان استطاعا الوصول إلى القاهرة أوائل شهر حزيران عام 1950، فبقي هناك حتى نهاية سنة 1958م، ونتيجة الاختبار دخل المعهد الثانوي للأزهر ثم أكمل كلية الشريعة فبدأ بقسم تخصص القضاء. لكن نظام جمال عبد الناصر أخرجه في السنة الثانية من التخصص من مصر، فعاد إلى تركيا.

استفاد من علماء الأزهر الشريف كثيرا، وبخاصة من الأستاذ الدكتور أحمد فهمي أبو سنة في الفقه وهو أول طالب حاصل على الدكتوراه في الأزهر الشريف حسب النظام الجديد وعنوان رسالته هو "العرف في الشريعة الإسلامية”، والأستاذ الدكتور محمد عبد الوهاب البحيري العلامة في الحديث الشريف وعلومه، كما لازم في القاهرة شيخ الإسلام مصطفى صبري أفندي آخر شيوخ الإسلام للدولة العثمانية (1869-1954 )، والشيخ العلامة محمد زاهد الكوثري وكيل الدرس لشيخ الإسلام بالعهد العثماني(1879- 1952).

وللعلامة محمد زاهد الكوثري أكبر الآثار على محمد أمين سراج بالقاهرة حيث درس عليه في بيته لمدة أربع سنوات، فمنحه إجازته العلمية المسماة بــ ( التحرير الوجيز فيما يبتغيه المستجيز ) قبل وفاته بعشرين يوما.

كان وضع الطلاب الأتراك بمصر جيدا في عهد الملك فاروق، لكن تغيرت الأحوال بعد الثورة العسكرية بزعامة جمال عبد الناصر، فقطعت عن الطلبة الأتراك المنح الدراسية وأخرجهم النظام من مساكنهم، وغادر كثير منهم مصر. والشيخ محمد أمين سراج صبر على الفقر والظروف المادية الصعبة للغاية في سبيل العلم، وصام مرات عديدة لأنه لم يجد طعاما.

وبدأ بالعمل مدرسا في ثانوية الأئمة والخطباء في إسطنبول، ثم تزوج من بنت الشيخ علي يكتا إفندي مفتي الفاتح في إسطنبول، وله منها ولدان: الأول اسمه محمد الفاتح، والثاني اسمه محمد علي يكتا الذي صار رئيس المجلس الأعلى للجامعات التركية حاليا.

 

محمد أكرم الن دوي، آكسفورد