حبيب

وكان أرفق بالناس
21 مارچ, 2020
إلى أين يتجه شباب الإسلام؟
21 مارچ, 2020

حبيب

"أنتم على موعد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة في آخر الهزيع الأول من الليل”.

أسر الفتى المكي مصعب بن عمير بهذه الكلمات إلى واحد من مسلمي "يثرب” الذين آمنوا بدعوة التوحيد، فسرى الخبر بين المسلمين الجدد سريان النسيم في سرعة وخفة وهدوء، فقد اندسوا بين جموع حجاج المشركين الوافدين إلى مكة من كل حدب وصوب.

أقبل الليل فاستسلم حجاج المشركين إلى الكرى، وجعلوا يغطون في نوم عميق بعد يوم جاهد ناصب قضوه في التطوف حول الأوثان، والذبح للأصنام، وقضاء الصفقات التجارية بين القبائل.

لكن أصحاب مصعب بن عمير من مسلمي يثرب لم يغمض لهم جفن، وكيف لجفونهم أن تغمض؟! فقلوبهم تخفق فرحة باللقاء الذي قطعوا من أجله الفيافي والقفار، وعيونهم تكاد تطير من بين مآقيها شوقاً إلى رؤية نبيهم الحبيب صلى الله عليه وسلم، فقد آمن به أكثرهم قبل أن يسعدوا بلقياه، وتعلقوا به قبل أن تكتحل أعينهم بمرآه.

وفي آخر الهزيع الأول من أوسط أيام التشريق وعند العقبة في "منى” تم اللقاء الكبير في نجوة من قريش.

تقدم اثنان وسبعون رجلاً من النبي صلى الله عليه وسلم ووضعوا أيديهم واحداً تلو الآخر في يديه مبايعين على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأولادهم.

ولما فرغ الرجال من بيعته، تقدمت امرأتان فبايعتا على ما بايع عليه الرجال، ولكن من غير مصافحة باليد، ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء.

كانت إحدى هاتين المرأتين تعرف بأم منيع، أما الأخرى فهي "نسيبة بنت كعب المازينية – أم عمارة”.

مر هذا المشهد بذهن حبيب بن زيد الأنصاري وهو راسف في قيوده، يجلس القرفصاء في محبسه، يتذكر أمه "نسيبة” وهي تبايع النبي صلى الله عليه وسلم هي وأبوه زيد بن عاصم وهو بينهما صغير إلى جوار أخيه عبد الله بن زيد، وقد صافح بكفه الصغيرة كف النبي صلى الله عليه وسلم وأسهم مع النفر السبعين في صنع تاريخ الإسلام.

كان حبيب بن زيد في سجنه راسخ القلب، ثابت اليقين؛ فقد نبت الإيمان مع لحمه ودمه يوم بايع النبي صلى الله عليه وسلم بيديه الصغيرتين، لا يحزنه هذا السجن وما لاقاه من "مسيلمة”، حتى تمزيقه لكتاب رسول الله لم يهزه، فهو مطمئن لزوال هؤلاء الكذابين مدعي النبوة، يذكر يوم أن قص النبي صلى الله عليه وسلم رؤياً السوارين في يديه، وتأوليه صلى الله عليه وسلم أنهما كذابان يخرجان بعده، لكن النبي صلى الله عليه وسلم نفخهما فطارا، فأبصر حبيب ببصيرته أن هلاكهما آت لا محالة، وأن كيدهما ضعيف مهما تضاخم، وذلك بدلالة طيرانهما بالنفخ، وتذكر حبيب قول النبي صلى الله عليه وسلم لمسيلمة يوم جاء مع الوفد، "وإني لأراك الذي أريت فيه ما أريت”، فاستسلم للنوم، هادئ الخاطر مطمئن القلب.

أضحت الشمس على مسيلمة، وقد تصدر مجلسه في أبهة وخيلاء، وجعل عن يمينه وعن شماله كبار أتباعه، وأذن للعامة بالدخول عليه ثم أمر بحبيب بن زيد، فجيء به يرسف في قيوده.

أوقفوه وسط هذه الجموع الحاشدة الحاقدة، فانتصب بينهم كرمح صلب أحكم المعدون تقويمه، مشدود القامة، مرفوع الهامة، شامخ الأنف، عزيز النفس.

التفت إليه مسيلمة وقال:

  • أتشهد أن محمداً رسول الله؟
  • نعم أشهد أن محمداً رسول الله.

بحماسة أجابه، فتميز مسيلمة غيظاً، واقترب من أذنيه، وأحس حبيب نفسه الساخن، وهو يقول بصوت أجش:

  • وتشهد أني رسول الله؟
  • هه!! إن في أذني صمماً عن سماع ما تقول.

بسخرية لاذعة كان جواب حبيب، فامتقع وجه مسيلمة، وارتجفت شفتاه حنقاً، وقال لأحد اتباعه وهو يصيح:

  • اقطع قطعة من جسده.

انتبه الناس للرجل وخطواته تقترب من حبيب، وقد علا السيف فوق جسده، يشق اللحم عن بدنه، وبتر قطعة تدحرجت على الأرض، وصرخة حبيب يردد صداها الخلاء، وتدفق الدم غزيراً فأصابت بعض قطراته الواقفين، فعاد مسيلمة إليه، واقترب منه ليسأله السؤال نفسه:

  • أتشهد أن محمداً رسول الله؟
  • نعم أشششهد أن محمممداً رسول الله.

بصوت خافت يكابد الألم جاوبه، فصرخ مسيلمة:

  • وتشهد أني رسول الله؟
  • قلت لك إن في أذني صمماً عن سماع ما تقول.

خرجت كلماته تحمل آلاماً اجتمعت بين الحروف المضغوط عليها من شدة الوجع، فأمر مسيلمة بأن تقطع من جسده قطعة أخرى، فقطعوها وتدحرجت حتى استقرت إلى جانب أختها، وحبيب يصرخ:

  • أشهد أن محمداً رسول الله، وأنك أحد الكذابين.

ومضى مسيلمة يسأل والسياف يقطع والدماء تسيل على الأرض، واللحم يتجمع تحت رجليه، والناس شاخصو الأبصار، مذهولون من ثبات حبيب وشدته، لا يتزعزع ولا يتوانى، يصرخ بكل خلية في جسده:

  • أشهد أن محمداً رسول الله.

حتى صار نحواً من نصفه قطعاً منثورة على الأرض، ونصفه الآخر كتلة تتألم بين عظام متجردة ودماء خالطها العرق والدموع.. ثم فاضت روحه وعلى شفتيه اسم النبي صلى الله عليه وسلم الذي بايعه وآمن به ودافع عنه.

المصادر:

  1. السيرة النبوية لابن هشام.
  2. الإصابة في تمييز الصحابة.
  3. الطبقات الكبرى لابن سعد.
  4. أسد الغابة لابن الأثير.

 

(أحمد المنزلاوي)