كيف يتغير المصير المحتوم؟ (1)

إنَّ هذه لَمكيدةٌ كبرى
21 مارس, 2020

كيف يتغير المصير المحتوم؟ (1)

معركة “عين جالوت” (25/رمضان 658ھ)من كبرى المعارك الاسلامية الفاصلة، انها قضت على أسطورة شهيرة وهي أن التتار قوة لا تهزم،و تمخضت عن سنة لله ثابتة،وهي أن الأسباب الحقيقية اذا توفرت أتى النصر،وحل الفرج، وتغير المصير الذي قضت بحتميته العقول.

“عين جالوت” ليست مجرد رمز لفتح عظيم فحسب،بل انها حملت بشائر، وقررت مصائر، وللناس فيها عبر وبصائر، يتحدث الدكتور راغب السرجاني عن أبعاد هذه المعركة وآثارها:

“ومع أن موقعة عين جالوت هذه كانت موقعة واحدة، وتمت في يوم واحد إلا أن آثارها كانت من القوة بحيث لا تتخيل، وكانت من الكثرة بحيث لا تُحصى؛ فمن آثارها:

الأول: عاد المسلمون إلى الله أثناء التحضير، وأثناء الإعداد لهذا اللقاء، وأثناء المعركة ذاتها، وبعد المعركة، ولمدة طويلة من الزمان.

الثاني: قتل المسلمون في عين جالوت الهزيمة النفسيَّة البشعة التي كانوا يعانون منها.

الثالث: عادت الهيبة للأمة الإسلامية بعد غياب دام أكثر من ستين سنة.

الرابع: فنيت قوة التتار العسكرية في منطقة الشام وتركيا وفلسطين، لم يُسمع عن التتار في هذه المنطقة لعشرات السنين بعد ذلك؛ اختفى القهر والظلم، واختفى البطش والتشريد، وأمن الناس على أرواحهم وأموالهم وأرضهم وأعراضهم، ولم يروِّع الناسَ أحدٌ في هذه المناطق إلا بعد عين جالوت بأكثر من مائةٍ وأربعين عامًا.

الخامس: عادت الوَحْدة العظيمة بين مصر والشام، وكوَّنا معًا التحالف الاستراتيجي الصُّلب الذي يمثل حاجز صدٍّ رائع ضد الهجمات الأجنبية.

السادس: وهو من أعجب الآثار، وأعظمها!! فقد رأى كثير من التتار دين الإسلام عن قرب…فأعجبوا به إعجابًا شديدًا…فبدأ بعض التتار يؤمنون بدين الإسلام، ثم شاء الله أن يدخل الإيمان في قلب أحد زعماء القبيلة الذهبية وهو ابن عم هولاكو،واسمه بركة خان، وكان إسلامه في سنة 650هـ/ 1252م، وبإسلام هذا الزعيم دخلت أعداد كبيرة من قبيلته في الإسلام”(1).

وما ذكره د/السرجاني وقد أوفاه إلى العاشر هو بعض حصاد هذه المعركة،لأن عوائدها في الحقيقة أوسع من سرد يراع أو وصف لسان،ولإدراك ما لهذا الفتح من مكاسب عظيمة هائلة، نسجل هنا صورتين سبقتا المعركة:

1- صورة فادحة للانكسارالمعنوي والهزيمة النفسية،أصيب بها المسلمون،ولم يسبق لها نظير في التاريخ البشري الطويل،يروي ابن الأثير في الكامل في أحداث السنة الثامنة والعشرين بعد الستمائة بعض الصور التي استمع إليها بأذنه من بعض الذين كُتبت لهم نجاة أثناء حملات التتار على المدن الإسلامية فيقول:

“كان التتري يدخل القرية بمفرده، وبها الجمع الكثير من الناس فيبدأ بقتلهم واحدًا تلو الآخر، ولا يتجاسر أحد المسلمين أن يرفع يده نحو الفارس بهجوم أو بدفاع.”!!

وقال أيضًا: “ولقد بلغني أن إنسانًا منهم أخذ رجلاً، ولم يكن مع التتري ما يقتله به، فقال له: ضع رأسك على الأرض ولا تبرح؛ فوضع رأسه على الأرض، ومضى التتريُّ فأحضر سيفًا وقتله به”(2).!!

2- صورة بشعة للغطرسة والاستعلاء،تمثلت في رسالة لهولاكو، أرسلها الي الملك قطز(رحمه الله)بطل معركة “عين جالوت”،وهي تقطر سمًّا، وتفيض تهديدًا ووعيدًا وإرهابًا، ننقل هنا بعض فقرات الرسالة:

“….فنحن ما نرحم من بكى، ولا نرق لمن اشتكى، فتحنا البلاد، وطهرنا الأرض من الفساد، فعليكم بالهرب، وعلينا بالطلب.

فأي أرض تأويكم؟ وأي بلاد تحميكم؟ وأي ذلك ترى؟ ولنا الماء والثرى؟ فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من أيدينا مناص؛ فخيولنا سوابق، وسيوفنا صواعق، ورماحنا خوارق، وسهامنا لواحق، وقلوبنا كالجبال، وعديدنا كالرمال! فالحصون لدينا لا تمنع، والجيوش لقتالنا لا تنفع، ودعاؤكم علينا لا يُسمع…..”(3).

كلتا الصورتين في القمة بجميع الملابسات والظروف التي تحيط بها، فالأولي في قمة اليأس والخور والضعف والاستكانة بينما الثانية في قمة القهر والجبروت والاستعلاء، وكلتاهما ان كانتا على طرفي النقيض في مظهرهما، ولكنهما تلتقيان علي نقطة وهي كسر بلاد المسلمين وتدميرها واحدة فواحدة، وقتل معنوياتهم أولا وقتل أعناقهم ثانيا،وكم كان أسهل لمتابع تلك الأحداث أن يقضي بامتداد سيطرة أولئك الغزاة الوحوش الي قرون،وباختفاء رايات الاسلام والمسلمين وراء الآكام والجبال أو في الكهوف والمغارات كالخفافيش، ولكن كذبت معركة “عين جالوت” ظن هذا المتابع، فاندهش وكأنه بدأ يسأل نفسه: كيف تغير المصير المحتوم ؟

وهذا هو السؤال الذي يجب علي المتابعين والمهتمين اليوم أن يسألوه أنفسهم: كيف سيتغيرالمصير المحتوم ؟ فما أشبه الليلة بالبارحة!

دراسة الخطوات والاستراتيجيات التي كانت وراء معركة “عين جالوت”،هي الجواب المقنع لسائل الماضي ولسائل الحاضر،واختيارتلك الخطوات والاستراتيجيات وتبنّيها مع تحديثها وتكييفها مع الواقع هو الطريق نحو تغيير مصير اليوم، فيجب علي المراقبين للأحداث،والمتابعين للماجريات،والمعنيين بشؤون الأمة أن يدرسوها دراسة متأنية،ونجملها في العدد القادم إن شاء الله تعالى:

الهوامش:

(1) “قصة التتار من البداية إلى عين جالوت” د/ راغب السرجاني، الطبعة الأولى، 2006م، ص: 342-353، الفكرة الرئيسية مستفادة من هذا الكتاب.

(2) “الكامل في التاريخ” ابن الأثير، المجلد العاشر، دار الكتاب العلمية، بيروت، ص: 494.

(3) “ملوك ورؤساء صنعوا تاريخاً”: مصر: أوراق مبعثرة” أمير عكاشة، ص: 163.

 

(سلمان نسيم الندوي)