الحياة ذكاء وخبرة

الإشاعات وخطورتها على أمن المجتمعات!
13 اپریل, 2020
الأخلاق قوة ونفوذ
13 اپریل, 2020

الحياة ذكاء وخبرة

بادئ ذي بدء يتعين التمييز بين الخبرة والتجربة، فالتجربة هي عمل أو فعل أو تصرف، وبتكرار ذلك تتولد الخبرة، فالعمل تطبيقي بينما الخبرة فكرة عقلانية وليدة التجارب.

هل الذكاء يصنع الخبرة أم العكس؟ الحقيقة أن الذكاء يوجه نحو الخبرة المثمرة، بيد أن الخبرة توسع من آفاق الذكاء الذي يفترض أن يتوقف عند عمر معين غالباً ما بين (16-25) سنة من عمر الإنسان، لذلك يعتمد الذكاء عند توقفه على الخبرة كي يوسع آفاق امتداده، وفيما يلي بيان ذلك:

يعيش الإنسان وسط علاقات اجتماعية متعددة ومتنوعة، تزوده بحقائق ومعلومات يستند عليها في سلوكه، وهو يواجه نوعين من الحقائق، النوع الأول: هو منظومة القيم السائدة في المجتمع، وهي منظومة معترف بها، وتتفاوت طبيعتها بين النظرية والتطبيق، فهي منصوص عليها في أمهات الكتب الخاصة بموضوعها، ولاسيما كتب علم الأخلاق وفلسفة الأخلاق، ولكن تطبيقها يتفاوت بين فرد وآخر، أما ما هو سائد فهو السلوك المجتمعي الذي يجاوز السلوك الفردي، فيحصل بون يتفاوت بين التقيد بأخلاقيات الجماعة البشرية الخاصة بنظام القيم الاجتماعية، والفرد الذي قد يتربى في أسرة ذات أخلاق رفيعة، ولكنه حينما ينضج ويباشر علاقاته الاجتماعية يصطدم بالوقائع المنافية للقيم التي قد تربى عليها في نطاق أسرته، ولكنه مجبر في الانخراط في علاقات تفرضها ضرورة الحياة الفردية والاجتماعية، وهنا تحصل له الخبرات، فإذا أخطأ الفرد في مسألة معينة فهذا يحصل بسبب انعدام المعلومة الصحيحة حول هذا الخطأ، فإذا أخطأ في الموضوع نفسه ثانية فيمكن تفيسر مرد ذلك بالنسيان الفردي، أما إذا أخطأ ثالثة في الموضوع ذاته فهذه هي الحماقة!

إذاً، تتولد لدى الإنسان خبرات متعددة ومتنوعة تؤهله لكي يعيش في هذه الحياة الاجتماعية، ويقيم علاقات مستمدة من وقائع خبراته الشخصية وأهدافه في المستقبل، والأمر الواجب الاتباع، حصر هذه الخبرات في ميدان المنطق، فيجرى تمييز أنماطها وآثارها، فإذا انتبه إلى مغزى وجودها واستثمر ما هو ملائم لكل ظرف أو وضع فهذا من الحكمة، ويمكن اعتباره من الذكاء، والحياة تشجع على تنمية الذكاء من خلال الخبرات اليومية التي ستصبح فيما بعد خبرات العمر، فيتصرف الإنسان في كل موقف التصرف الذي يراه صحيحاً، فإذا أثبت قابل الأيام أن هذا التصرف صحيح فعلاً فهو موقف مرسوم، أما إذا ثبت خطأ التصرف فلابد من مراجعة مفاهيم ومعايير الخبرات لوزن هذا التصرف في ضوئها.

والخبرة في الحياة تعلم المرء متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يتحرك ومتى يقف، ومتى يقيم علاقات متطورة مع أناس، ومتى يبتعد عن آخرين، فالذكاء الفردي المتولد من هذه الخبرات قابل للنمو والاستدامة، والمراجعة ضرورية للتأكد بأن الظروف ملائمة لهذا التصرف الفردي أو ذاك.

ومن يعتقد بأن الحياة ذكاء وخبرات يكون ناجحاً في حياته، لأنه يصبح يقظاً تجاه الأحداث والمواقف فلا يتسرع بالانسياق وراءها، وإنما يحكمه مخزون خبراته الشخصية فيتصرف بموقف عقلاني مدروس، وهذا هو نهج الأفراد الناجحين في الحياة، فلم يكن النجاح صدفة، وإنما كان نتيجة تخطيط عقلاني متميز للعلاقة بين الذكاء والخبرات.

(د. عبد القادر الشيخلي)