الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي وحبُّه للإنسانية

لابد من الركوب على الخطر لتحقيق الآمال
21 ديسمبر, 2019
البيروني وإسهامه في العلوم (2/الأخيرة )
7 يناير, 2020

الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي وحبُّه للإنسانية

لقد أنشأ الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي -رحمه الله تعالى -لحبه للإنسانية حركة رسالة الإنسانية التي كانت تهدف إلى إصلاح المجتمع الإنساني بغض النظر عن الطبقات والأديان في عام 1974م بحملة شعبية لإيقاظ الضمير الإنساني إثر حوادث العنف، والاستغلال، وفشو الرشوة في الأوساط الرسمية، وقتل الزوجات، وقد عبر بعض القادة من المسلمين عن مخاوفهم بهذه الحركة بأنها  تؤدي إلى وحدة الأديان،أو أنها تحول عن عمل الدعوة إلى الإسلام، والواقع أن هذه الحركة كانت مجهوداً لتقويم سلوك الإنسان، وبث المثل الخلقية في المجتمع البشري التي تتفق عليها جميع الأديان، وقد اقتضت ظروف المعيشة التي غزتها المادية الرعناء، وحب المال، وحب الجاه، والمصلحة مثل هذه الحركة، وهي حاجة العصر، لذلك نالت هذه الحركة القبول من سائر الأديان، و وراء هذه الأهداف الإنسانية هناك هدف آخر، وهو ملء الخليج بين المسلمين وغير المسلمين، وإتاحة فرص اللقاء بين المسلمين وقادتهم، وبين قادة الأديان الأخرى لإزالة الشكوك والشبهات في المسلمين التي تبثها الحركات الطائفية المعادية للإسلام والمسلمين، وعرض الوجه النقي لتاريخ الإسلام، وعرض صور التسامح التي تشتمل عليها تعاليم الإسلام، وقد شوه هذا الوجه و زور التاريخ المستشرقون وتلاميذهم بكتب موجهة تعتدي على الإسلام والمسلمين، وقد حققت هذه الحركة هذا الهدف الكامن، فاعترف بعض القادة من غير المسلمين أنهم ما كانوا يعرفون أن المسلمين أيضاً في قلوبهم محبة للإنسانية وللوطن، وإنما كنا نعرف أنهم حملة السيف.

شعر سماحة الشيخ الندوي بضرورة التحاور بين أعضاء مختلف الطبقات لإزالة سوء التفاهم الذي يؤدي أحياناً إلى الصراع، ودعوتهم إلى بذل جهد مركز لإصلاح المجتمع، فعقدت لهذا الغرض عدة  حوارات في “ناجبور”، و”دلهي”، و”بونا”، وفي جميع هذه الاجتماعات اشترك أتباع مختلف الديانات والطوائف لدراسة الأسس المشتركة للسلوك باحترام متبادل، وإشاعة روح التسامح في السلوك.

ووجه سماحة الشيخ الندوي الدعوة إلى إيجاد جو الأمن، والسلام في البلاد، وإعادة الثقة إلى النفوس لمحاربة الخوف والذعر، والشكوك والشبهات بين مختلف الطبقات والمجتمعات، وأكد على أن هذا الهدف يتطابق مع دستور الهند الديمقراطي الذي وضعه واضعوه بدراسة المجتمع الهندي وطبيعته.

وهي دعوة لا يتنازع فيها أحد لأنهــا دعـوة إلى كـــرامة الإنسان وصيانة حقوقه، وإتاحة فرصة للعيش بطمأنينة، وكان من مثل هذه الاجتماعات اجتماع “حيدرآباد”، الذي عقد في 29/ديسمبر 1989م.

صرح سماحته في كلمته التي ألقاها في “حيدرآباد” أن لكل إنسان في هذه الحياة دارين، دار يسكنها هو وأعضاء أسرته، ويحرص كل إنسان على أن تكون هذه الدار التي يسكنها مأمونة، وأن يعيش فيها بسلام، ويحرص على إيجاد جو المودة، والأخوة، والهدوء، والأمن، والثقة بين القاطنين فيها، وهي داره الصغيرة ومأواه، وهدوء هذه الدار، وأمنها حاجة كل من يسكنها.

وهناك دار أخرى أيضاً وهي أكبر من هذه الدار، وهي البلاد، ونحن ننسى في غالب الأحوال أن هاتين الدارين لنا، إحداهما صغيرة مهما كانت رحبة، وقائمة على مساحة كبيرة، فإنها صغيرة بالنسبة للبلاد التي تعيش فيها أسر كثيرة لا تعد ولا تحصى، ويعيش فيها المواطنون الذين يشكلون أسراً كثيرة كل أسرة منها كأسرتنا، وترتبط مصلحة كل دار صغيرة بمصلحة الدار الكبيرة، فإذا كانت الدار الكبرى هادئة يعيش فيها المواطنون  مطمئنين، ويسودها الأمن والسلام، والثقة المتبادلة، ويرعى سكانها حقوق إخوانهم الآخرين، ويحرصون على سلامتهم، فإن هذه الدار تعتبر سعيدة والحياة فيها حلوة، وهي مأمونة، مصونة من كل خطر.

هذه الحقيقة لا تحتاج إلى مزيد من الإيضاح، ولكن تغيب هذه الحقيقة عن أذهاننا أحياناً، فيتغلب التفكير الذاتي على التفكير الاجتماعي، ويحسب الناس أن دورهم الصغرى التي لا تساوي بالنسبة للدار الكبرى إلا جزءاً صغيراً، وهي كلأكواخ الصغيرة أو العشش، مهما كبرت، إنها عالمهم، فيركزون جهودهم على تجميلها، وتأمين سلامتها، ويربطون مصلحتهم وحظهم كله بأسرتهم في هذه الدار الصغيرة، ويعرضون عن الدار الكبرى، المجتمع الأكبر، ويغضون بصرهم عنها، وينسى هؤلاء الناس أن العواصف الهوجاء إذا هبت خارج الدار الصغرى، أو إذا شب حريق واشتعلت نيران، وانتشرت لفحاتها، أو إذا تعرضت المنطقة التي تقع فيها الدار الصغيرة للفيضان الجارف، فإن هذه الدار الصغرى مهما كانت مشيدة بالحجر أوالقرميد لن تبقى مأمونة من النار، أو السيل، أو الرياح العاصفة، ومهما روعيت في بنائها دقة البناء وروعة الفن، ومهما استعملت فيها أسلاك الحديد، وأطيلت جدرانها، فإن هذه الدار تصبح عرضة للدمار، ولا تستطيع أن تقف في مكانها بنجوة من الخطر.

كذلك إذا كان سكان هذه الدار الصغيرة يعيشون بأمن وسلام وثقة واحترام فيما بينهم، فإن نار الكراهية والحقد، والصراع، وسوء التفاهم والعداوة التي تجتاح خارج الدار في المنطقة، التي تقع فيها الدار ستؤثر على هدوء هذه الدار الصغيرة، لأن الأوبئة التي تنتشر في أي منطقة وتلوث الغذاء والماء، تؤثر على كل دار في المنطقة، وتجعل حياة السكان في داخل الدار الصغيرة في خطر، لأن الرياح تحمل السموم، وتؤثر على جو كل دار.

وأضاف سماحته: إننا في الهند نعيش معرضين عن هذه الحقيقة، فلا نفكر إلا في مصلحتنا الذاتية، وفي مصلحة أنفسنا، ودارنا، وأسرتنا، إن وباء العصر الكبير يكمن في ضخامة المصلحة الذاتية لكل فرد وهو ما وصفه المصلحون الربانيون بتعبير، “نفسي، نفسي” فتفاقمت الأنانيات، وتجاوزت جميع الاعتبارات الخلقية والمصالح القومية، والوطنية، ويجتاح تيار المصلحة فلا يشغل أحداً فكر إلا فكر موارده، والزيادة فيها، بأي طريق من الطرق.

إن نجاح أي شخص في مجهوده لتحسين داره، وتحويلها إلى حديقة غناء، وجعلها بيئة مثالية، لا يغنيه شيئاً إذا بقيت البيئة التي تحيط بها موبوءة، فإن الجزر لا تكون إلا في البحر، وتبقى هذه الجزر قروناً، ولكن لا تقع الجزر في البر، وليس لها وجود، وقد جعلنا دورنا جزراً برية، وجعلنا أسرنا، وقبائلنا، جزراً برية، وإن هذه الجزر لا تستطيع أن تبقى.

إن الحياة سلسلة متصلة الحلقات، ويرتبط حظ كل فرد بالآخر، وكل شخص منا سائل في وقت واحد، ومحتاج ومطلوب في وقت واحد، وقد وصفت الفلسفة الشرقية القديمة الإنسان بأنه مدني الطبع، وهومحتاج إلى حياة معاشرة مدنية، يرتبط كل فرد بغيره يسر بسروره، ويحزن بحزنه.

إن  أكبر حاجة في هذا العصر، وهي خلاصة حركة رسالة الإنسانية أن نفكر في دارنا الكبرى ولا نقع في خداع أننا آمنون، ونعيش حياة هدوء وسلامة، وحياة  المبادئ والأخلاق، إننا نحتاج إلى أن ننظر إلى ما يقع خارج دارنا.

وذكر سماحة الشيخ الندوي مسئولية المسلمين وأعرب عن أسفه بأن المسلمين كانوا مقصرين في هذا المجال، بإعراضهم عن تأدية  واجبهم إزاء بناء الإنسان، وتقديم أسوة خلقية، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “الراحمون، يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء”

واختتم كلمته بقوله إننا مسئولون عند الله، يوم القيامة عن هذا التقصير، فتعود إلى المسلمين مسئولية إنقاذ البلاد، لأن هذه السفينة إذا غرقت غرق بها المسلمون وغير المسلمين، ولكني رغم ذلك متفائل، ولا أقنط من رحمة الله، فإن البلاد نامت، ولكن لم تمت، والنائم يوقظ، وأما الميت فلا أمل في حياته وانتعاشه، ولكن يجب أن تكون للنوم نهاية وأن تتلوه صحوة، فحاجتنا الماسة اليوم إيقاظ هذا المجتمع، ولذلك أبذل سعي المتواضع لإيقاظ ضمير الإنسان”.