ما تعبدون من بعدي؟

لغة الحضارة (1)
3 فروری, 2021
نظرة على أعلام القرن العشرين في الهند وإنتاجاتهم الأدبية باللغة العربية (1)
3 فروری, 2021

ما تعبدون من بعدي؟

إن العقيدة الإسلامية عقيدة التوحيد تبنى عليها سعادة البشرية، وينحصر فيها فوزها وفلاحها، ويتوقف عليها نجاحها في الحياة الأبدية السرمدية، وهي أهم وأعظم علم جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الله عز وجل، وهو معرفة الله وعلم ذاته وصفاته وأفعاله، وهو علم مختص بهم وعلم ليس له وسائل وآلات ومعلومات أولية عند البشر ولا يتناوله القياس ولا يفيد فيه الذكاء والفطانة، وهو الأساس للعقائد والأعمال والأخلاق، وهو الذي يعرف به الإنسان نفسه.

ولأجل قيمته وعظمته وعظم الاعتناء به في كل جيل وأمة، وفي كل عصر وطبقة، وحرص عليه كل شخص مخلص ناصح لنفسه ومشفق على حياته ومصيره لأن جهله يؤدي إلى الشقاء الذي ليس بعده شقاء ويوقع في الهاوية التي ليس له قرار.

ولأجل هذا جمع سيدنا يعقوب عليه الصلاة والسلام أولاده عند احتضاره وأراد أن يستوثق منهم بأنهم سيبقون بعد انتقاله إلى دار الآخرة مسلمين، ويعتنقون بالعقيدة الإسلامية ويموتون عليها ولا يتزحزون عنها قيد شعرة، لاشك في أن هذا المشهد بين يعقوب وأولاده كان مشهداً عظيماً ومؤثراً وكان يثير سؤالاً في ذهن كل سامع ميت،يحتضر وهو في آخر لمحة من لمحات حياته فما الذي يشغل باله،وما القضية التي تشغل خاطره، وهو في سكرات الموت، كان همه الوحيد هو صيانة أولاده عن نار جهنم،ويدل ذلك على أن حب الأولاد وفكر خيرهم وصلاحهم ليس منافياً لمكانة الرسالة والنبوة بل مكانة الخلة،وهناك فرق كبير بين الأنبياء وعامة الإنسان فإن عامة الإنسان في نظرهم نعمة الدنيا وثروتها،لكن الأنبياء نظرهم رفيع وعزائمهم عالية وعندهم الثروة العالية الأصلية هي الإيمان والأعمال الصالحة، وعامة الإنسان يريدون عند وفاتهم أن يسلموا إلى أولادهم ما عندهم من ثروة، ويحب الأثرياء أن يكون أولادهم أصحاب المصانع والمعامل، ويجدوا رخصة التصدير والتوريد ويملكوا ملايين وعشرة ملايين، ويحب إنسان ذو وظيفة أن يجد أولاده مراتب ومناصب عالية ويحب صاحب صنعة أن يحصل أولاده على الأموال والخبرات في الصنعة.

في هذا الأسلوب الخاص للأنبياء تعليمات وإرشادات للإنسان أيضاً بأنهم كما ينظمون لهم التربية الدنياوية والراحة، يجب عليهم أكثر من ذلك أن يربوا أولادهم التربية النظرية والعملية والأخلاقية ويبذلوا قصارى جهودهم في صيانتهم من العادات والأعمال والأخلاق السيئة لأن هذا حبهم الصادق لأولادهم ونصيحتهم الأساسية وليس من المعقول أن يبذل كل ما في وسعه من جهود مكثفة في صيانة أولادهم من حرارة الشمس ولا يهتم بصيانتهم والحفاظ عليهم من نار جهنم والعذاب الدائم أي اهتمام.

أوضاع الهند المعاصرة خاصة وأحوال العالم عامة تحتم على المسلمين جميعاً أن يحلوا أولادهم بالعلوم الدينية الأساسية والإسلام لا يمنع عن أي تعليم سواء كان عصرياً لكن بعد تعليم الدين الأساسي حتى يعرفوا دينهم ونبيهم وعقائدهم الأساسية ويبقوا مسلمين دائماً وأبداً.

ففي هذه الأوضاع على كل مسلم أن يتأكد ويستوثق من أولادهم بأنهم مسلمون وسيبقون مسلمين وعلى الأولاد أن يجيبوا مثل ما أجاب أولاد يعقوب عليه الصلاة والسلام ما تعبدون من بعدي؟ كما كتب السيد قطب مفسراً لهذه الآية "هذا هو الأمر الذي جمعتكم لأجله وهذه هي القضية الكبرى التي أردت الاطمئنان عليها وهذه هي الأمانة والزخر والتراث قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون أنهم يعرفون دينهم ويذكرونه أنهم يتسلمون التراث ويصونونهم أنهم يطمنون والدهم المحتضر ويريحونه وكذلك ظلت وصية إبراهيم عليه الصلاة والسلام لنبيه مرعية في أنباء يعقوب وكذلك هم ينصون نصاً صريحاً على أنهم مسلمون”. وما أحسن الحل الناجع الذي قدمه العلامة الشيخ أبو الحسن علي الحسني الندوي رحمه الله تعالى لمواجهة هذه الظروف الحرجة القاسية في كتابه الشهير "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين”.

"ومن واجب رجال التربية وولاة الأمر أن يحاربوا بكل قوتهم ما يضعف روح الرجولة والجلادة ويبعث على التخنث والعجز من عادات وأدب وصحافة وتعليم ويأخذوا على يد الصحافة الماجنة والأدب الخليع الملحد الذي ينشر في الشباب النفاق والدعارة والفسوق وعباد اللذة والشهوات ولا يسمحوا لهؤلاء التجار الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا أن يدخلوا في معسكر محمد صلى الله علهي وسلم الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق ويفسدوا على الناشئة الإسلامية قلبها وأخلاقها ويزينوا لهم الفسوق والعصيان وحب الفحشاء بثمن بخس دراهم معدودة وقد يشهد التاريخ بأن كل أمة أصيب رجالها في رجولتهم وغيرتهم ونساؤها معودة وقد يشهد التاريخ بأن كل أمة أصيب رجالها في رجولتهموغيرتهم ونساؤها في أنوثتهم وأمومتهم وطغى فيهن التبرج ومزاحمة الرجال في كل شيء والزهد في الحياة المنزلية وحبّب إليهم العقم أفل نجمها وكسفت شمسها أصبحت أثراً بعد عين” [ص: 308].

 

(محمد قيصر حسين الندوي)