في ليلة مقمرة

لماذا هذه الكراهية والعداء للمسلمين؟
5 مارچ, 2020
فاصبر لربك
5 مارچ, 2020

في ليلة مقمرة

خرجت ذات ليلة مقمرة إلى ضفة النهر، فجلست عليها وحدي، وكان ماؤه صافيا نقيا كصفاءالمرآة، فكانت صورة القمر قد انعكست على سطح الماء كأنه يري وجهه وجماله في مرآة الماء الصافية في بهجة وسرور. وكان الماء يتموج خفيفا متلأ لأً ورقراقا بنفحة الهواء العليل، كأن القمر صب فيه لونا فضيا من ضوئه الهادئ الجميل.

وكانت السماء مصحية، والجو رائقا، ويجري الهواءالعليل فينبعث إلى جسمي، فيترك فيه أثرا هادئا لذيذا، ولكن رغم كل ذلك كانت سماء قلبي متغيمة مظلمة، فلم يُتح للأمل أن يرسل فيه نورا تنكشف به ظلمات الياس والأحزان.

وقد ضم الليل جميع الناس إلى حضنه العاطف برداء نومه المريح، فما أحد ساهرا إلا أنا والقمرالمنير في كبد السماء وبعض من الحيوانات السائرة بالليل.

كنت أشاهدالقمر ممعنا النظر إليه، لأن قمراليوم كان يحلو لي جدا، لأنه يصاحبني في وحدي ووحشتي، فيبدد من قلبي ظلمة الوحشة والدهشة والأحزان، وبينما نحن كذلك إذا بقطعة من السُّحب السوداء حجبت عني القمر حجبا، فازداد له قلبي هما وغما، وثار فيه حزن وألم لم أملك منه نفسي أن انحدرت على خدي قطرات من الدموع، فقلت للقمر بصوت شجي محزن: لا تفارقني أيهاالقمرالمنير! ولا تتركني وحدي! لأني حزين بائس منكوب طالما أحتمل فوق ما يحتمله المحتمل، وصبرت كثيرا حتي جاء ما لا صبر عليه، ولا أجد من أبوح له بما ألمَّت بقلبي من الهموم والأحزان فيواسيني ويرفه عن نفسي ويمسح الدموع في رفق بي وعطف علي.

ويا أيتها السحابة السوداء! لا تنتزعي مني القمر بهذه الجفوة والقسوة، وارحمي حالي وبؤسي، وأَعِيديه إليَّ من فضلك، ودَعينا نتبادل دواخل قلبنا، فلعل قلبي المحروق يهدأ به فتعود إليه الراحة والسكون.

كأن السحابة رقت لي، ورؤفت بحالي، فانقشعت عن القمر، فظهر في هذه المرة وهو يبتسم ايبتساما كان أكثر عذبا واعظم بهجا وأشد تلألأً من قبل، وخيل إلي أنه نزل من حيث كان من قبل واقترب إلي كثيرا فينشر عليَّ جميع أشعته الفضية كما تُنثرالأزهار على الضيوف استقبالا له، فيقول لي في صوت ملؤه الحب والشفقة والرحمة: ما بك يا صديقي؟ وما هذ الحزن والبكاء؟ وما هذا اليأس والقنوط؟ وكيف قلت: "لقد صبرت كثيرا…” قل يا صديقي أي شيء لا صبر عليه عند عبد مؤمن؟ ألا تعلم أن الله يمتحن من يحبه بأنواع من المحنة والبلاء؟ فيرفع دراجاته إن ثبت عليه صبورا محتسبا. أنسيت أنت ما قاله عز وجل ” فإن مع العسر يسري”، و” لا تقنطوا من رحمة الله” ؟. إسمع يا صديقي: انت طالب للعلم، وحارس للإسلام، فلن يليق بك ان تستسلم للحزن والمصيبة، وأن تترك نفسك في يد الهموم تعبث بها كيف تشاء، وأن تجعل لليأس والقنوط سبيلا إلى قلبك، فيضعف همتك، ويفتِّر عزمك، فيجعلك أن تبوء بالخيبة والفشل فى الوصول إلى هدفك المنشود.

هل تسمع يا صديقي كم ألمًا أحتمل كل يوم في طريق اقتباس النور من الشمس؟ إذن فاستمع لي: أنا أعيش في عالم ليس هناك كائن، وليس فيه ماء ولا هواء ولا نور، ولا تبتسم فيه الأزهار، ولا تتغرد فيه الطيور، وإنما فيه ظلام مطبق مخيف، وإني أعرض نفسي لدي الشمس طول النهار، فأصبر على شدة حرارتها ولذعها دون كلل وملل، ودون اي شكوي وإظهارشيء من الحزن، وذلك كله فقط لخدمة الناس.

فإذن أ ليس أحرى بك وأليق ان تتحمل جميع ما تواجهه من الحزن والمصيبة في طريق التماس نور العلم؟ فتقف شامخا ثابتا مهما اشتد الحزن والألم،لأن نورالعلم بلا ريب افضل النور وأغلي كل شيء، فهو يطلب ممن يريد طلبه ضحية كبيرة لأجله، ولأن العلم شديد الغيرة، فلا يناله إلا من يقدره حق التقدير، كثيرُ الضن بالعطاء، فهو يمنح فقط من يبذل جهدا للغاية وذلك أيضا مقدارا قليلا.

محمد يحيى نديم