الغرور

وفاة الشيخ محمد برهان الدين السنبهلي رحمه الله
17 فروری, 2020
لا فلاح لأمة بعث فيها النبي إلا في اتباعه وإيثاره
5 مارچ, 2020

الغرور

مما لا ينتطح فيه عنزان ولا يختلف إثنان أن الغرور مرض خطير وآفة نفسية من العلل النفسية بل هو أشدها خطراً وأثراً وهو مرض اجتماعي مهلك هو والكبر أخوان، وقال الإمام الغزالي في الإحياء إن ادعاء شيء لا يوجد في غيره ليس بداخل في الكبر إنما الكبر نفخ بسببه يزعم الإنسان غيره حقيراً وهو إبداء الإنسان عظمته ورفع نفسه فوق اللازم وروي عن الإمام أبي حنيفة إن الكبر والظلم يجازان بتاني الدنيا والعقبى وهذا المرض المهلك يلحق بالإنسان الضرر على اختلاف أوضاعه ودرجاته وله أنواع وأقسام:

(1) الغرور بالحسب والنسب (2) والغرور بالذات (3) والغرور بالصوت (4) والغرور بالعقل والفطانة (5) والغرور بالثروة والغنى.

  1. أما الغرور بالحسب والنسب فيرى صاحبه أنه وحده النسيب والحسيب وابن العائلة فطره الله من طينة خاصة ومن الأسرة الممتازة لم يخلق منها ولن يخلق سوى أسلافه الأكرمين وأحفاده إلى يوم القيامة فهو بهذا مفتون ومغرور ومصاب بمرض مهلك يؤدي إلى تحقير الآخرين مهما كانوا مؤقرين ومكرمين وشرفاء فهو لا يتحدث ولا يتكلم إلا عن أجداده العظام ومآثرهم القيمة وخدماتهم الجليلة وأنهم قطب هذا الوجود وخير الناس جميعاً.
  2. والغرور بالذات قد يكون الإنسان مغروراً بنفسه فهو في نظر نفسه مركز الوجود وسيد الناس وأعقل من في العالم ولا يتجاوز الثواب عنه قط ولا ينكر ذلك إلا جاهل غمر لا مكانة له ولا قيمة له عند الناس ولا وزن له في المجتمع وهو في نظره فريد دهره ونسيج وحده لولاه لانطفأ نور العلم ولخبت شعلة العقل وصغيره من الناس من يخطى ويصيب وهو منزه عن الخطأ وهو يرى الرأي فلا يجوز لأحد كائناً من كان أن ينقده أو يرى رأياً سواه وإلا فالويل لمن يتجرأ على النيل من آرائه أو الشك في صحتها.
  3. الغرور بالصوت بعضهم يكون مغروراً بصوته فهو يظن ويزعم أنه البلبل الصداح حديثه خلاب جذاب شيق رشيق يدخل القلوب بدون إذنها ويجذب قلوب الناس إليه ويؤثر في نفوسهم تأثير السحر،حديثه نغم ولا يأبه أبداً بأن كلماته وأصواته سبب لتذمر الناس إذا رفع عقيرته بالغناء ولا يبالي بضحكات الهازيين والساخرين فهؤلاء جميعاً يجهلون مزاياه ويعجزون عن تذوق فنه الرفيع.
  4. الغرور بالثروة والغنى، الإنسان المغرور بثروته وغنائه الذي لا يبالي بالفقراء والمساكين بل يسخر منهم ويستهزأ بهم ويتكبر بقوته ويتعالى عليهم لأنه لم ينظر في حال الضعيف بأنه يفوقه في شيء آخر.

وهناك أنواع من الغرور لا حصر لها لكن كلها نقائص ومحرمات ورذائل مفسدة، للأخلاق،لا تحمل إلى صاحبها إلا الهزأ والسخرية فالمغرور في عن نفسه أعظم الناس وأنبلهم وليس له نظير ولا شبيه وهو في أعين الناس مخلوق مريض سخيف لا وزن له ولا وجود، ومغرور جامح قد تملك عقله الصغير وأعصابه الضعيفة تفكيره السقيم المعوج فليس لك إلا أن تسلم أمرك إلى باري الناس وخالق الكون عله يعطف على الجامع المغرور فيدرك قبل أن يؤدي غروره إلى سوء المنقلب وشر المصير، وكم من مغرور جامح سخيف قد أدى غروره إلى الخسارة وإلى الهلاك أنجانا الله منه جميعاً.

قد ذم الله عز وجل ونبيه الكريم المتكبرين والمغرورين شديداً في الكتاب والسنة فقد قال الله عز وجل، عن إبليس "أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ” [البقرة:34]، وقال إبليس متكبراً ومستدلاً بعلو مكانته على آدم وكبره، "خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ” [الأعراف:12، وص:76].

وقال الله عز وجل عن قارون وفرعون وهامان "وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا” [العنكبوت:39-40].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، وقال الله عز وجل "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ” [البقرة:34، والإسراء:61، والكهف:50، وطه:116] مضى غروره يقوده من مصيبة إلى أخرى فطرده الله من رحمته وجعلة رجيماً.

وخير علاج للمتكبر والمغرور "كما كتب الدكتور أكرم الندوي أوكسفورد في صحيفة الرائد الإيمان بالله واليوم الآخر والتدبر في كتاب الله تعالى والنظر في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وسيرته وسيرة أصحابه والتابعين والحذر من الغفلة وقسوة القلب والسعي إلى المواظبة والمداومة على ذكر الله والتقرب بالطاعات والدعوات والتفكر في المصير” وعلاوة على ما سبق ذكره هو أن يتولى زملاءه ورفاقه أو ذووه تقويم شذوذه بلين ورفق ورأفة ويظهرونه على مدى ما يتعرض له من سخرية الساخرين وهزء الهازيين من جراء غروره البغيض فلعل ذلك يعيد إلى نفسه صوابها ويبصرها بحقيقة ذاتها فيعود إنساناً سوياً كسائر الناس.

محمد قيصر حسين الندوي