الإسلام دين العفو والساحة

البيروني وإسهامه في العلوم (1)
21 ديسمبر, 2019
لابد من الركوب على الخطر لتحقيق الآمال
21 ديسمبر, 2019

الإسلام دين العفو والساحة

الإسلام دين الفطرة والمساواة والمواساة, يرعى حقوق الإنسان, ويحافظ عليها, ويغطي الإنسان برداء الكرامة والعز, ويجعله تقيا, ويهتف بأن الكرامة مربوطة بتقوى الله.

إن الله تعالى يقول في كلامه المجيد “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبت وفضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا” وقال تعالى “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.

إن الإسلام يربط بين الرب والعبد, والخالق والمخلوق, ويخرج الناس من الذلة إلى العزة, ومن عبادة النفس إلى عبادة الله وحده, ويجعلهم إخوة متحابين, ويعلن بأن الأب واحد, وأن الرب واحد, يقول النبي صلى الله عليه وسلم “إن ربكم واحد, وإن أباكم واحد, ألا لا فضل لعربي على عجمي, ولا لعجمي على عربي, ولا لأحمر على أسود, ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى, وينهى أتباعه عن الغيبة, والحسد, وسوء الظن, والتجسس, يقول النبي صلى الله عليه وسلم “إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا, ولا تجسسوا, ولا تحاسدوا, ولا تباغضوا, ولا تدابروا, وكونوا عباد الله إخوانا” ويجعل ذمة المسلمين واحدة, يقول النبي صلى الله عليه وسلم “ذمة المسلمين واحدة يسعى بها ادناهم” ويؤكد على العفو, والتسامح, والإعراض عن أخطاء الناس, وإصلاح المجتمع, والإصلاح بين الناس, والتعاون فيما بينهم, والإحسان إليهم.

قال الله تعالى في كلامه المجيد “ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور” وقال في موضع آخر “والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين” وقال تعالى “خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين.

هذه هي الحقيقة أن الإسلام أكد على الإنسانية ما لم يوكد على غيرها, وجعلها جزءا من الدين  الذي لا يكمل إلا به, إنه أنشأ الوعي في أذهان أتباعه أن الرفق والإحسان يسخران القلوب, ويملآنها حبا, ورحمة, وألفة, فقال النبي صلى الله عليه سلم “إن الرفق لا يكون في شئ إلا زانه ولا ينزع من شئ إلا شانه, إنه لم يضيق مجال الرحمة, بل وسع مجالها, لم يفرق بين أتباعه وغير أتباعه وهذه العاطفة القوية من الرحمة تتجلى في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله رحمة للعالمين, ولإتمام مكارم الأخلاق, قال تعالى “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين” وقال النبي صلى الله عليه وسلم “بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” نرى أخلاقه العالية فيكفي قول عائشة رضي الله عنها أنها قالت عندما سأل عنها أحد, “كان خلقه القرآن” وقال النبي صلى الله عليه وسلم “المسلم من سلم الناس من لسانه ويده” وقال في موضع “الخلق عيال الله فأحب الخلق إلى الله من أحسن إلى عياله” وقال “أمرني ربي بتسع : خشية الله في السر والعلانية, وكلمة العدل في الرضا والغضب, والقصد في الفقر والغنى, وأن أصل من قطعني, وأعطي من حرمني, واعفو عمن ظلمني, وأن يكون صمتى فكرا  ونطقي ذكرا ونظري عبرة, وآمر بالمعروف, إن نبينا صلى الله عليه وسلم أحسن إلى من أساء, واصل بمن قاطع, عفى عمن ظلم, لقي بوجه طلق عمن أعرض ملبيا على أمر ربه وقال لأتباعه “ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها, هذا أبين دليل لرحمته.

وظهر هذا الجانب في فتح مكة عندما كان الكفار الأشقياء الذين آذوا رسول الله عليه وسلم, وضيقوا أرض مكة عليه وعلى أتباعه حتى اضطر إلى الهجرة إلى المدينة المنورة, كانوا جالسين مفتوحين أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم, يرجون رحمته ويخافون عقابه, والرسول صلى الله عليه وسلم كان على قمة الأخلاق والإحسان, فوسع الأمن والعفو, حتى أصبح أهل مكة لا يهلك منهم إلا من زهد في السلامة, وكره الحياة, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “بل اليوم يوم المرحمة اليوم يعز الله قريشا ويعظم الله الكعبة” وقال: “من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن” وقال لأبي سفيان الذي كان قائدا لجيش قريش, ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله, فقال هو بأبي أنت وأمي, ما أحلمك وأكرمك وأوصلك, لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد, قال النبي صلى الله عليه وسلم ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله, قال هو بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا, ولكن النبي صل الله عليه وسلم عفاه حتى إنه أسلم, وحسن إسلامه, كذلك أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسارى بدر فقال استوصوا بهم خيرا وعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأسرى وقبل منهم الفداء وكان يفادي بهم على قدر أموالهم  وكان من لا شئ له من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلقه كذلك بنو قينقاع أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وحاربوا في بدر وأحد وآذوا المسلمين فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة حتى نزلوا على حكمه وشفع فيهم حليفهم عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأطلقهم له رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان سبعمأئة مقاتل وكانوا صاغة وتجارا أصدر النبي صلى الله عليه وسلم عفوا عاما عن هولاء اليهود شريطة أن يخرجوا من المدينة إلى أي مكان شاءوا فجلوا عنها إلى الشام آمنين على أنفسهم بعد أن كانوا يتوقعون الموت جزاء نكثهم وتمردهم كذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه يوم حنين أن يقتلوا وليدا أو امرأة أو أجيرا أو عبدا مستعانا به وتأسف على امرأة قتلت في حنين

هذه هي الأخلاق والشمائل لنبي الرحمة, ونموذج التسامح والعفو بعد المقدرة قدمها رحمة للعالمين للبشرية كافة, وطالب منا بأن نتحلى بها ونستنير بها فاستنار بها أتباعه في كل زمان

وفي وقتنا هذا عندما كانت الأوضاع الراهنة تبعث على القلق, نسي الناس تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم, ونسوا القيم الإنسانية, وحلت المنافرة محل المحبة, والأثرة على الإيثار, والثأر محل العفو.

يحتاج العالم إلى أن يشاع فيه تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم, وتروج رسالته العالمية, وترجح المصالح الإجتماعية على المصالح الفردية, فإنشاء الله يكون العالم بستانا لمن يعيشه.

محمد خليل الحسني الندوي